للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القرطبي: " في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريم وتعظيم وتفويض إليه، وتقويم أيضا على الجادة في الحكم، وتأنيب على ما رفع إليه من أمر بني أبيرق" (١).

الفوائد:

١ - التحذير من العمل بحديث النفس، قال الشاطبي: " فأما العمل بحديث النفس والعارض في القلب فلا، فإن الله حظر ذلك على نبيه فقال: {إنا أنزلنا إليك الكتاب، بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله}، فأمره بالحكم بما أراه الله لا بما رآه، وحدثته به نفسه، فغيره من البشر أولى أن يكون ذلك محظورا عليه، وأما إن كان جاهلا فعليه مسألة العلماء دون ما حدثته نفسه" (٢).

ونقل عن عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وصفق بإحدى يديه على الأخرى ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا» (٣)، إلى آخر الحديث

٢ - في الآية الرد على من يشترط في القضاء علم الكتابة، مع أنه لا دليل عليه، بل إن الدليل قائم على خلافه، فإن خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام كان له منصب القضاء بلا ريب، لقوله تعالى: {أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} ولم يتصف بالكتابة، لقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: ٤٨]، مع أنه لم يلحقه قصور من ذلك (٤).

٣ - وفيه دليل أن أقواله-صلى الله عليه وسلم- كلها ليس وحي، ، "لأن أقواله - صلى الله عليه وسلم - لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى: : {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: ٤٣]، وقال تعالى {ولا تكن للخائنين خصيما} .. (٥).

٤ - أن السنة لا تخالف القرآن لأنهما من مصدر واحد، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: ١٠٥]، وقال أيضا: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٣ - ٤]، فكل ما اجتهد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الشريعة فهو حق لأن الله لا يقره بباطل أبدا، وكل ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بخبر العدل الضابط عن مثله إلى رسول الله يجب اعتقاده والعمل به سواء جاءنا متواترا أو آحادا (٦).

القرآن

{وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)} [النساء: ١٠٦]

التفسير:

واطلب من الله تعالى المغفرة في جميع أحوالك، إن الله تعالى كان غفورًا لمن يرجو فضله ونوال مغفرته، رحيمًا به.

قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ} [النساء: ١٠٦]، أي: " واطلب من الله تعالى المغفرة في جميع أحوالك" (٧).

قال قتادة بن النعمان: " فلم يلبث أن نزل القرآن، {واستغفر الله}، أي: مما قلت لقتادة" (٨).

قال الزجاج: " أمره بالاستغفار مما هم به" (٩).

قال مقاتل: " فاستغفر النبي- صلى الله عليه وسلم- عند ذلك" (١٠).


(١) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٧٥.
(٢) الالعتصام للشاطب: ٣/ ٧٤.
(٣) رواه الإمام البخاري في كتاب الحدود من صحيحه، باب الاعتراف بالزنا، والباب الذي يليه عن عمر رضي الله عنه، مع اختلاف يسير في اللفظ (١٢/ ١٣٧، ١٤٤ فتح)، والإمام مسلم في كتاب الحدود من صحيحه، باب حد الزنا وذكره بلفظ البخاري الثاني (١١/ ١٩١ ـ ١٩٢)، والإمام أبو داود في كتاب الحدود من سننه، باب في الرجم، وذكره قريبا من لفظ الصحيحين (٤/ ١٤٣) والإمام ابن ماجه في كتاب الحدود من سننه، باب الرجم وذكره بلفظ الصحيحين (٢/ ٨٥٣)، والإمام الترمذي في كتاب الحدود من سننه، باب ما جاء في تحقيق الرجم وذكره بلفظين أحدهما أخصر من الآخر (٤/ ٢٩ ـ ٣٠)، والإمام الدارمي في كتاب الحدود من سننه، باب في حد المحصنين بالزنا (٢/ ٢٣٤)، ورواه الإمام مالك في كتاب الحدود من الموطأ، باب ما جاء في الرجم (٢/ ٨٢٤)، والإمام أحمد في مواضع من المسند (١/ ٢٣، ٢٩، ٣٦) ..
(٤) انظر: السيوف المشرقة ومختصر الصواعق المحرقة، خواجة نصر الله الهندي المكي: ٦٥٢.
(٥) مختصر التحفة الاثني عشرية: ١/ ٢٤٩.
(٦) انظر: القضايا الكلية للاعتقاد في الكتاب والسنة، عبدالرحمن بن عبدالخالق: ١٣٦ - ١٣٧ [الكتاب مرقم آليا من الشاملة].
(٧) التفسير الميسر: ٩٦.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٣٤): ص ٤/ ١٠٦٠.
(٩) معاني القرآن: ٢/ ١٠١.
(١٠) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ٤٠٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>