للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

فقلنا أسلموا إن أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور

وقال آخر (١):

فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا

والراجح من القراءة {وإله آبائك}، وعليها إجماع القراء. والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: ١٣٣]، "أي ونحن له وحده مطيعون خاضعون" (٢).

قال ابن عثيمين: " أي منقادون لأمر هذا الإله الواحد سبحانه وتعالى، وشرعه" (٣).

قال ابن عطية: " أي كذلك كنا نحن ونكون" (٤).

قال الزمخشري: " أى ومن حالنا، أنا له مسلمون مخلصون التوحيد أو مذعنون" (٥).

واختلف في تفسير قوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: ١٣٣]، على وجوه: (٦):

أحدها: أن المعنى: ونحن له مطيعون خاضعون، كما قال تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وسلم} [آل عمران: ٨٣]، والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوّعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: ٢٥]. والآيات في هذا كثيرة والأحاديث، فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: "نحن مَعْشَرَ الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد" (٧) (٨).

الثاني: ويحتمل قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، أن تكون بمعنى الحال (٩)، كأنهم قالوا: نعبد إلهك مسلمين له بطاعتنا وعبادتنا إياه.

الثالث: وقيل يحتمل أن يكون خبرا مستأنفا، فيكون بمعنى: نعبد إلهك بعدك، ونحن له الآن وفي كل حال مسلمون. وهذا اختيار ابن عطية (١٠).

والأولى أن يفسر بمعنى: "نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، مسلمين لعبادته" (١١). والله تعالى أعلم.

الفوائد:

١ - أن التوحيد وصية الأنبياء؛ لقوله تعالى: {ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك}.

٢ - ومنها: أن الموت حق حتى على الأنبياء؛ قال الله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران: ١٤٤].


(١) البيت لزياد بن واصل، وهو من شواهد سيبويه: ٢/ ١٠١. وشرح المفصل: ٣/ ٣٧، والخزانة: ٤/ ٤٧٤. ويروى: فلما تبين أشباحنا، وهو من أبيات لزياد بن واصل من شعراء الجاهلية، افتخر فيها بآبائه وأمهات آبائه من بني عامر، وهو في هذا الجزء من القصيدة يصف عودتهم من إحدى المعارك ظافرين وأن نساء القبيلة حين رأينهم رحبن بهم وقلن لهم نفديكم بآبائنا،
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٨٥.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٧٩.
(٤) المحرر الوجيز: ١/ ٢١٤.
(٥) الكشاف: ١/ ١٩٤.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٩، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٧.
(٧) صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وأولاد العلات: هم الأخوة من الأب وأمهاتهم شتى.
(٨) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٧.
(٩) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢١٤.
(١٠) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢١٤.
(١١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>