قال صاحب الكشاف:" وقرئ (حضِر) بكسر الضاد وهي لغة"(١).
قوله تعالى:{إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي}[البقرة: ١٣٣]، (٢) أي: إذ قال يعقوب لبنيه: أي شيء تعبدون من بعد وفاتي؟ " (٣)(٤).
قال البيضاوي: " أي: أي شيء تعبدونه، أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما" (٥).
قال ابن عثيمين: " بدؤوا به؛ لأنهم يخاطبونه" (٦).
وقد عبر عن المعبود بـ (بما) ولم يقل (مَن)، وذلك لوجهين:
الأول: لأن " (ما) عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون" (٧)، فأراد أن يختبرهم، ولو قال (من) لكان مقصوده أن ينظر من لهم الاهتداء منهم، وإنما أراد تجربتهم فقال (ما)، وأيضا فالمعبودات المتعارفة من دون الله جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة، فاستفهم عما يعبدون من هذه (٨).
الثاني: ومن وجه آخر فإن قوله: (مَا تَعْبُدُونَ) كقولك عند طلب الحد والرسم: ما الإنسان (٩)، قال صاحب الكشاف: " ويجوز أن يقال: (ما تَعْبُدُونَ) سؤال عن صفة المعبود. كما تقول: ما زيد؟ تريد: أفقيه أم طبيب أم غير ذلك من الصفات" (١٠).
ومعنى {مِنْ بَعْدِي}، أي من بعد موتي (١١).
(١) تفسير الكشاف: ١/ ١٩٣، وانظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٧. (٢) قال الرازي: " هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل: الأول: المقلدة قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، وهو عليه السلام ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف. الثاني: التعليمية: قالوا: لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية، فإنهم لم يقولوا: نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم. والجواب: كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي، فليس فيها أيضا دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلا على سبيل الاستدلال، أقصى ما في الباب أن يقال: فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال. والجواب عنه من وجوه، أولها: أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات الله تعالى بتوحيده وعلمه وقدرته وعدله. وثانيها: أنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب عليه السلام فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك فلا خلاف منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له. وثالثها: لعل هذا إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصانع على ما ذكره الله تعالى في أول هذه السورة في قوله: {قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم} (البقرة: ٢١) وههنا مرادهم بقولهم: {نعبد إلاهك وإلاه آبائك} أي: نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى الاستدلال لا إلى التقليد. (مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٠). (٣) تفسير الطبري: ٣/ ٩٨. (٤) قيل: أن يعقوب عليه السلام لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان فخاف على بنيه بعد وفاته، فقال لهم هذا القول تحريضا لهم على التمسك بعبادة الله تعالى. وحكى القاضي عن ابن عباس: أن يعقوب عليه السلام جمعهم إليه عند الوفاة، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران، فقال: يا بني ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إهلك وإله آبائك ثم قال القاضي: هذا بعيد لوجهين: الأول: أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين. الثاني: أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب وأنهم كانوا قوما صالحين وذلك لا يليق بحالهم. (مفاتيح الغيب: ٤/ ٧٠). (٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٧. (٦) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٧٧. (٧) مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٩. (٨) تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٧. (٩) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ٦٩. (١٠) تفسير الكشاف: ١/ ١٩٣. (١١) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٩٨.