فما إن هما في صفحة بارقية ... جديد حديثٍ نحتها واقتضابها
بأطيب من فيها إذا جئت طارقًا ... من الليل والتفت عليها ثيابها
في شعر هذيل عسر ولكنه بدوي جيد. أما بداوته فأنه فيه طعم بلاغة البليغ المتحدث وهو يمثل لسامعين أمامه ما يصف تمثيلًا. والوصف مما يعمد فيه إلى الإمتاع بجودة التصوير وتخير الألفاظ والمعاني. فلا تضيقن أيها القارئ الكريم ذرعًا بظاهر عسر الكلمات وتتبع أصلحك الله دقة تتبع الشاعر لما يصنعه، فإنك إن شاء الله مصيب من ذلك لذة بيان عظيمة، قال الشاعر، لما أحكمت هذه الراح حكمها وجاء أبناء معتب بثمنها الذي فيه ربح تجارها وأخذوها وصفقوها، أتوها من بعد بأري النحل التي تأرى أي تصنع وتجمع العسل وتعمل عملها له وتنصرف إلى مساكنها عند اصفرار الشمس فهي تعمل نهارها إلى وقت اقتراب المغيب وتعمل يعاسيبها في أماكن شاهقات ذؤاباتها دوين السماء وأصل الذؤابة للشعر ثم أطلقت على قمم الجبال وأعاليها ويقال أيضًا شعاف الجبال بكسر الشين وشعفة الجبل ذؤابته وشعفة الصبي ذؤابته وكلمة الشعفة بمعنى الشعر الكثير على رأس الصبي مستعملة في العامية عندنا. جوارس النخل أي عوامله التي تجني العسل تصعد به إلى الشعوف أي رؤوس الجبل دائبة في العمل وتنصب في ألهاب أي في شقوق من الجبال -جمع لهب بكسر فسكون- هذه الألهاب ممطورة جوانب الأودية التي تفصل بينها في زمان الصيف فيكون ذلك أبرد لها والعسيل يصلح في الأماكن المعتدلة الهواء. مصيفًا أي هاطلًا عليه المطر صيفًا. كرابها جمع كربة وهي صدر الوادي وفي النيل بإقليمنا الشمالي موضع ضيق يقال له الكربة بالتحريك. وإذا نهضت النحل رأيتها في نفرها إلى أعالي الجبل تتصعد جماعات كأنها سهام الأهداف الدقيقات. قالوا القتر بكسر القاف سهام كمسامير الدرع صغار ترمى بها الأهداف. قلت: إذا نظرت إلى سواد النحل مع ريشها الذي يكاد يشف وهي صاعدة جماعات فإن