المَلائِكة في قُلوبهم من رُعْب؛ ولهذا قال تعالى:{رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} لأن اللَّه تعالى حجَبَ المَلائِكة عن أَعيُن الناس؛ لأن المَلائِكة تَحضُر مجَالِس الذِّكْر، والملائِكة يَتَعاقَبون في بني آدَمَ بالليل والنهار، والمَلائِكة {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ}[ق: ١٧]، ومع ذلك لا نَراهم؛ لأن اللَّه تعالى حجَبَهم، يَأتينا -إن شاء اللَّهُ تعالى- في الفَوائد أن في هذا دَلالةً بيِّنةً على ضَعْف بني آدَمَ، فأَجرام مَحسوسة مَوْجودة بين أيديهم، بل عن أيمانهم وعن شَمائِلهم، ومع ذلك لا يَرَوْنها.
قال رَحِمَهُ اللَّهُ: [{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} مِن المَلائِكة {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} بالتاء من حَفْر الخَنْدق، وبالياء من تَحذير المُشرِكين] يَعنِي: فيها قِراءَتان "بِمَا يَعْمَلُونَ" و {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}.
قوله تعالى:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا} هذه الرِّيحُ هي الريح الشَّرْقية، ولهذا جاء في الحديث:"نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ"(١)، الدَّبور: الرِّيح الغَرْبية، يَقول:[بما تَعمَلون بالتاء من حَفْر الخَنْدق] ولكن هذا التَّخصِيصَ لا يَنبَغي، لأَنَّنَا إذا خصَّصنا العُمُوم في الآية قصَرْنا معنَى اللَّفْظ أو قصَرْنا اللَّفْظ على بعض مَعناه، والصوابُ: أنَّها بما تَعمَلون من حَفْر الجنْدق وغيره من كل ما عمِلْتم في هذه الغزوةِ.
قوله تعالى:{بَصِيرًا} أَيْ: عليمًا، أو بما يَعمَلون، يَعنِي: الجُنُود {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} واللَّهُ تعالى بما يَعمَلون بَصير، من التَّحزُّب على النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والقُدوم إلى بلَد الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لأَجْل القَضاء عليه على زَعْمهم.
(١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، رقم (٤١٠٥)، ومسلم: كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور، رقم (٩٠٠)، من حديث ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-.