لها:"لَا عَلَيْكَ ألَا تَسْتَعْجِلي، فتَستَأْمِري أبويك"(١)، خاف أنها شابَّة صغيرة أنها تَتَعجَّل وتَقول: أُريد الدُّنيا، فطلَب منها ألَّا تَتَعجَّل حتى تَستَأمِر أبوَيْها، يَعنِي: تَستَأْذِنهما، ومعلومٌ أنَّ أبوَيْها لا يُريدان لها أن تَختار الدنيا وزِينتها على اللَّه تعالى ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- والدار الآخِرة، ولكنَّها -رضي اللَّه عنها- كان لها على صِغَر سِنِّها نَظْرة بعيدة، فقالت: يا رسولَ اللَّه، أفِي هذا أَستَأْمِر أبويَّ! يَعنِي: هذا أُشاوِر فيه أَبويَّ؟ ! لا، إنما أُريد اللَّه تعالى ورسوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ والدارَ الآخِرة، ولكن لا تُخبِر نِساءَك بما قلت، قال النبيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"إِنَّما بُعِثْتُ مُيَسِّرًا لَا مُتَعَنِّتًا وَمُعَنِّتًا، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَسْأَلُني فسَأخْبِرُهَا"(٢)، لكن كل نِسائه ما سألن، كل امرأة تَقول: إنها تُريد اللَّه تعالى ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- والدار الآخِرة، فصِرْن على الحال الكامِلة -رضي اللَّه عنهن-، على ما كان عليه الرَّسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِن شَغَف العَيْش، وقِلَّة ذات اليَدِ، ومع هذا وفَّقَهن اللَّه تعالى ومَنَّ عليهن، وهذا بلا شَكٍّ من عِناية اللَّه تعالى برسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، أن يَختار له مثل هؤلاءِ النِّساءِ فكان جَزاؤُهن أنَّ اللَّه تعالى قال له:{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ}[الأحزاب: ٥٢].
فهؤلاءِ النِّسوةُ اللاتي اختَرْن اللَّه تعالى ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- والدارَ الآخِرة، بعد أن خُيِّرن كان لهُنَّ -مع ما في ثواب الآخِرة- هذا الجزاءُ الدُّنيويُّ، أنَّ الرسول مُنِع مِن أن يَتزَوَّج بعد ذلك بواحدةٍ من النِّساء أو يُبدِّل واحِدةً بامرأة جديدة، {وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ
(١) أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا}، رقم (٤٧٨٥)، ومسلم: كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، رقم (١٤٧٥)، من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-. (٢) أخرجه بنحوه مسلم: كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، رقم (١٤٧٥/ ٣٥).