فَالْمُشْتَرَكُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ كَالصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ)؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ هُوَ الْعَمَلَ أَوْ أَثَرَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِلْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لَمْ تَصِرْ مُسْتَحَقَّةً لِوَاحِدٍ،
وَالْفَاسِدَةِ شَرَعَ فِي ضَمَانِ الْأَجِيرِ. اهـ. وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ التَّقْرِيرَيْنِ جَيِّدٌ. وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَقَالَ: لَمَّا ذَكَرَ أَبْوَابَ عُقُودِ الْإِجَارَةِ صَحِيحِهَا وَفَاسِدِهَا سَاقَتْ النَّوْبَةُ إلَى ذِكْرِ أَحْكَامٍ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَهِيَ الضَّمَانُ فَذَكَرَهَا فِي هَذَا الْبَابِ اهـ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَنْوَاعِ الْإِجَارَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامٍ بَعْدَ الْإِجَارَةِ، وَهِيَ الضَّمَانُ اهـ. وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْنَةٍ مَا فِي تَقْرِيرِهِمَا مِنْ الرَّكَاكَةِ حَيْثُ فَسَّرَا الْجَمْعَ بِالْمُفْرَدِ بِقَوْلِهِمَا، وَهِيَ الضَّمَانُ انْتَهَى. فَإِنَّ ضَمِيرَ هِيَ رَاجِعٌ إلَى الْأَحْكَامِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الضَّمَانَ حُكْمٌ وَاحِدٌ لَا أَحْكَامٌ. وَلَمَّا ذَاقَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذِهِ الْبَشَاعَةَ تَوَجَّهَ إلَى تَوْجِيهِ ذَلِكَ فَقَالَ: إطْلَاقُ الْأَحْكَامِ عَلَى الضَّمَانِ إمَّا بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ أَفْرَادِهِ أَوْ الْمُرَادِ، وَهِيَ الضَّمَانُ وُجُودًا وَعَدَمًا اهـ. أَقُولُ: تَوْجِيهُ الثَّانِي لَيْسَ بِوَجِيهٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وُجُودًا وَعَدَمًا أَيْضًا لَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلْأَحْكَامِ، فَإِنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، وَالضَّمَانُ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ إنَّمَا يَصِيرُ اثْنَيْنِ لَا غَيْرُ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ قَالَ: وَالْأَجِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفَاعِلٍ مِنْ بَابِ آجَرَ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ مُؤَجِّرٌ لَا مُؤَاجِرٌ. اهـ. أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ مُؤَجِّرٌ لَا مُؤَاجِرٌ يُرَى مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ وَالْأَجِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفَاعِلٍ مِنْ بَابِ آجَرَ، إذْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ مُؤَجِّرًا لَا مُؤَاجِرًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَجِيرُ فَعِيلًا بِمَعْنَى مُفْعِلٍ لَا بِمَعْنَى مُفَاعِلٍ فَتَأَمَّلْ.
وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: قُلْت هَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الثُّلَاثِيِّ، وَكَيْفَ يَقُولُ بِمَعْنَى مُفَاعِلٍ مِنْ بَابِ آجَرَ: يَعْنِي بِهِ مِنْ الْمَزِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ مُؤَجِّرٌ. اهـ كَلَامُهُ.
أَقُولُ: بَلْ الْغَلَطُ إنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الْفَعِيلَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ كَمَا يَكُونُ مِنْ الثُّلَاثِيِّ يَكُونُ مِنْ الْمَزِيدِ أَيْضًا، وَعَنْ هَذَا قَالَ الْمُحَقِّقُ الرَّضِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ: وَقَدْ جَاءَ فَعِيلٌ مُبَالَغَةَ مُفْعِلٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ مُؤْلِمٌ عَلَى رَأْيٍ. وَقَالَ: وَأَمَّا الْفَعِيلُ بِمَعْنَى الْمُفَاعِلِ كَالْجَلِيسِ وَالْحَسِيبِ فَلَيْسَ لِلْمُبَالَغَةِ فَلَا يَعْمَلُ اتِّفَاقًا اهـ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ: وَأَمَّا الْأَجِيرُ فَهُوَ مِثْلُ الْجَلِيسِ وَالنَّدِيمِ فِي أَنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفَاعِلٍ. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ صَرِيحٌ فِي خِلَافِ مَا زَعَمَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَذُقْ شَيْئًا مِنْ الْعَرَبِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: فَالْمُشْتَرَكُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ كَالصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالسُّؤَالُ مِنْ وَجْهِ تَقْدِيمِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى الْخَاصِّ دَوْرِيٌّ اهـ. يَعْنِي أَنَّ السُّؤَالَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.