أهلَ بدر، فجاء أناسٌ من أهل بدر فلم يجدوا مكانًا في المجلس فقاموا وِجَاهَ (١) النبي - صلى الله عليه وسلم - على أرجلهم. يرجون أن يوسع الناس لهم، فلم يوسع لهم أحد، فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أناسًا بقدر من جاء من النفر البدريين، فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكراهية في وجوه الذين أقامهم فنزلت الآية. (٢)
فقوله:{إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ} فيما إذا كان في المجلس ضيق، فيتفسح الناس بدون أن يقوم أحد، وقوله:{وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا}[المجادلة: ١١]، أي: إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا عن المجلس فافعلوا، أي: إذا أمركم الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - في مجلسه بالقيام فلا تتحرجوا، وهو ضربٌ من التفسح.
وقيل: التفسح يكون بالتوسعة من قعود أو من قيام، فهما داخلان في قوله:"تفسحوا"، والنشوز هو أن يؤمروا بالانفضاض عن المجلس. فإذا أمروا بذلك فلا يتحرجوا؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أحيانًا الانفرادَ بأمور المسلمين. فربما جلس إليه القومُ فأطالوا؛ لأن كلَّ أحد يحب أن يكون آخر الناس عهدًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلُّ ذلك من فرط محبتهم إياه، وحرصهم على تلقِّي هداه.
ومن آدابه المذكورة في الكتاب المجيد ما في قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ}[الحجرات: ٢]، وقوله:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}[النور: ٦٣].
قال علماء التفسير: نزلت هاتان الآيتان بسبب محاورة جرت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلسه، وذلك حين قدم وفدُ بني
(١) جاء لفظ: "حيال" عند الواحدي بدل وجاه. (٢) الواحدي: أسباب النزول، ص ٤١٢؛ ابن عطية: المحرر الوجيز، ج ٥، ص ٢٧٨. وانظر، البلخي، أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير: تفسير مقاتل بن سليمان، تحقيق أحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٤/ ٢٠٠٣)، ج ٣، ص ٣٣٣.