فلما تمَّ بنيانُهُ، وتمَّ للخليلِ هذا الأثرُ الجليلُ، أمرَهُ اللهُ أنْ يدعوَ الناسَ ويؤذِّنَ فيهم بحجِّ هذا البيتِ، فجعلَ يدعُو الناسَ وهم يفدُونَ إلى هذا البيتِ من كلِّ فجٍّ عميقٍ؛ ليشهدوا منافعَ دنياهم وأخراهم، ويَسعدُوا ويزولَ عنهم شقاؤُهم.
وفي هذا (١) الأثناءِ، حينَ تمكَّنَ حبُّ إسماعيلَ من قلبهِ، وأرادَ اللهُ أنْ يمتحنَ إبراهيمَ لتقديمِ محبةِ ربهِ وخلَّتهِ التي لا تقبلُ المشاركةَ والمزاحمةَ؛ فأمرَهُ في المنامِ أنْ يذبحَ إسماعيلَ، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ من اللهِ، فقالَ لإسماعيلَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٣] أي: خضعَا لأمرِ اللهِ، وانقادَا لأمرهِ، ووطَّنَا أنفسَهما على هذا الأمرِ المزعجِ الذي لا تكادُ النفوسُ تصبرُ على عُشرِ معشارهِ، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾؛ نزَلَ الفرجُ من الرحمنِ الرحيمِ: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.