للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وإذا ادعى أحدهما ما لا يمكن أو ما كان بعيدًا، مثل أن يقول: بعتُ عليكَ حزمة هذا البصل بمئة ريال، وهي في السوق بعشرة، فقال المشتري: اشتريتها بعشرة. فهل نقول في هذه الحال: إذا لم يكن هناك بينة يتحالفان؟ لا، لماذا؟ لأن دعوى البائع تكذبها القرينة، فلا عبرة بها، فيقال الآن: قول البائع غير مسموع إطلاقًا، والقول هنا قول المشتري؛ لأن العرف يؤيده، فإذا حلف أن هذا الثمن قبض.

فعليه يكون قول المؤلف: (تحالفا) مشروط بما إذا يكن بينة، ولم تكن قرينة تكذب قول أحدهما.

كيفية التحالف، قال: (فيحلف البائع أولًا ما بعتُه بكذا وإنما بعته بكذا)، فيُقدَّم البائع؛ لأن البائع قد انتقل ملكه إلى المشتري، فهو الذي يُقدَّم من حيث إنه هو الذي انتقل من يده الملك. ثم يبدأ بالنفي، ثم بالإثبات؛ لأن الأصل دفع المدَّعَى، ثم إثبات ما يدعيه النافي، فيحلف أولًا: ما بعتُه بكذا، وإنما بعته بكذا، هو قال: بمئة، والمشتري قال بثمانين، فكيف يقول؟ والله ما بعته بثمانين، وإنما بعته بمئة.

والمراد هذا اللفظ أو معناه، فلو قال: والله لستُ بائعًا له بثمانين، بل أنا بائع إياه بمئة، فإن ذلك كافٍ، فالعبارة التي ذكرها المؤلف لا يُشترط لفظها، المقصود المعنى، لكن يبدأ أولًا بالنفي، ثم بالإثبات.

وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من الجمْع بين النفي والإثبات، وهذا أحد القولين، وإنما اشتُرط ذلك ليكون دافعًا لما ادعاه خصمه بالنفي مثبِتًا لما ادعاه هو بالإثبات. وقيل: يكفي الإثبات، فيقول: والله ما بعتُه إلا بمئة، وهذا القول هو الصحيح، وذلك لأن المقصود من الألفاظ هو المعاني، فإذا ظهر المعنى اكتفينا به بأي صيغة كانت، فلا يُشترط على القول الراجح البداءة بالنفي، بل نقول: إذا أثبت كفى، سواء جاء بطريق الحصر: والله ما بعته إلا بكذا، أو قال: والله لقد بعته بمئة، يكفي.

<<  <  ج: ص:  >  >>