ومن العجب أن فِئةً قليلةً من العلماء ذهبوا إلى أنها تفنى بناءً على عِلَلٍ عليلةٍ لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسُّنَّة، وحَرَّفوا من أجْلها الكتابَ والسُّنَّةَ فقالوا: إن {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} أي: ما دامتْ موجودةً. كيف هذا! إذا كانوا خالدين فيها أبدًا لَزِمَ أن تكون هي مؤبَّدةٌ؛ {فِيهَا} فهي كائنةٌ، هم كائنون فيها، وإذا كان الإنسانُ خالدًا مؤبَّدًا تخليدُهُ لَزِمَ أنْ يكون مكانُ الخُلود مؤبَّدًا؛ لأنه لو فَنِيَ مكانُ الخلود ما صَحَّ تأبيدُ الخُلود.
والآيةُ واضحةٌ جدًّا، والتعليلاتُ الباردةُ المخالفةُ للنصِّ مردودةٌ على صاحبها، ولهذا الخلافُ الذي ذُكِرَ عن فِئةٍ قليلةٍ من أهل العلم خلافٌ مُطَّرَحٌ؛ لأنه مخالفٌ للنصِّ الصَّريح الذي يجب على كُلِّ مؤمنٍ أن يعتقده، ومَنْ خالَفه لشُبْهةٍ قامت عنده فيُعْذَر عند الله، لكن مَن تأمَّل نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ عَرَفَ أنها مؤبَّدةٌ، والحكمة تقتضي ذلك؛ لأن هذا الكافر أفنى عُمرَه في محاربةِ الله عزَّ وجلَّ ومعصيةِ الله والكفرِ به وتكذيبِ رُسُله، كلَّ عُمرِه، مع أنه جاءه النذيرُ، وأُعْذِرَ، وبُيِّنَ له الحقُّ، ودُعِيَ إليه، وقُوتِلَ عليه، وأصرَّ على الكفر والباطل، كيف نقول: إنَّ هذا لا يؤبَّد عذابُه! والآيات في هذا صريحةٌ، فالحكمة تقتضي هذا لأن عُمرَه كلَّه الذي أُجرِيَ فيه في الدنيا أمضاه في الكفر والتكذيب والاستكبار.
البحث الثالث: هلْ عذابها حقيقيٌّ يُؤلِم، أو أنَّ أهلَها يكونون فيها كأنهم حِجارةٌ لا يتألَّمون لأنهم يأخذون مناعةً كما يُقال؟