والمعنى الثاني أبعدُ عن الذِّهنِ مِنَ المعنى الأوَّلِ، غيرَ أنَّه معروفٌ في اللُّغةِ، قالَ ابنُ قُتَيْبَةَ (ت:٢٧٦): «قالَ ابنُ عَبَّاسٍ ـ في رواية أبي صالحٍ عنه ـ: الحَطَبُ: النَّمِيمَةُ، وكانتْ تُوَرِّشُ (١) بين النَّاسِ.
ومنْ هذا قيل: فلانٌ يَحْطِبُ عَلَيَّ: إذا أغرى به، شَبَّهُوا النَّمِيمَةَ بالحَطَبِ، والعَدَاوَةَ والشَّحْنَاءِ بالنَّارِ؛ لأنَّهما يقعانِ بالنَّمِيمَةِ، كما تُلْهِبُ النَّارُ الحَطَبَ، ويقالُ: نارُ الحِقْدِ لا تَخْبُو. فاستعاروا الحَطَبَ في موضعِ النَّمِيمَةِ. وقالَ الشَّاعِر (٢) ـ وذَكَرَ امْرَأةً ـ:
وبهذا يظهرُ أنَّ المعنيينِ محتملانِ في الآيةِ، غيرَ أنَّ أحدَهما أسبقُ إلى الذِّهنِ منَ الثاني. وهكذا كلُّ ما شاكلَ هذه الأمثلةَ (٥).
(١) التوريش: التحريش. ينظر: القاموس المحيط، مادة (ورش). (٢) جاء هذا البيت في تهذيب اللغة، للأزهري (ت:٤/ ٣٩٤): بالحطب الرطب، وكذا في مقاييس اللغة، لابن فارس (٢:٧٩)، وقد نقله عن الأزهري صاحبا لسان العرب وتاج العروس في مادة (حطب)، وورد البيت في تفسير القرطبي (٢٠:٢٣٩)، وصدره: من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ... ........ (٣) القِرْفُ: القِشْرُ، والمرادُ به في البيتِ: اللِّحاءُ الذي يكونُ على الساق. والعبل اليبس: الورق الساقطُ من الشجرِ، والله أعلم، ولم أجد البيت فيما بين يدي من المصادر. (٤) تأويل مشكل القرآن (ص:١٦٠). (٥) ينظر مثلاً: تفسير «المساجد» بأنها أعضاء السجود في قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: ١٨]، وتفسير «الرجم» في مثل قوله: {لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} [مريم: ٤٦] بأنه السبُّ. وتفسير «النعجة» في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} ...} [ص: ٢٢] بأنه المرأة، وهناك غير هذه الأمثلة.