لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه، فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال:" إن كنت مادحا لا محالة فقل: أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحدا "(١) ، وأمره أن يشهد بالإسلام لأنه أمر مطلع عليه كما في " المسند " عن أنس مرفوعا: " الإسلام علانية، والإيمان في القلب "(٢) .
ولهذا كره أكثر السلف أن يطلق الإنسان على نفسه أنه مؤمن، وقالوا: هو صفة مدح، وتزكية للنفس بما غاب من أعمالها؛ وإنما يشهد لنفسه بالإسلام لظهوره، فأما حديث:" إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ": فقد خرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعا (٣) . وقال أحمد: هو حديث منكر، ودراج له مناكير (٤) ، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره البخاري في هذا الباب من الآية والحديث إنما يطابق التبويب على اعتقاده أنه فرق بين الإسلام والإيمان.
(١) البخاري (فتح: ٢٦٦٢) . (٢) " المسند " (٣ / ١٣٤) ، من طريق علي بن مسعدة، عن قتادة، عن أنس، وعلي فيه توثيق وقال البخاري في " التاريخ ": " فيه نظر ". وليس من أصحاب قتادة، وقتادة مدلس، وقد عنعن. (٣) . " المسند " (٣ / ٦٨، ٧٦) ، والترمذي (٣٠٩٣) ، وابن ماجه (٨٠٢) وابن عدي في " الكامل " (٣/ ١١٤) . وأحاديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد فيها ضعف. قاله أحمد. (٤) " العلل ومعرفة الرجال " (٣ / ١١٦) ولدراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد غرائب، انظر بعضها في " أطراف الغرائب " ٠ ٤٨٨١ - ٤٨٨٣) بتحقيقنا، و" الكامل " لابن عدي (٣ / ١١٣) وإنكار الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – لهذا الحديث مع إخراجه له في " المسند " يدل على أن مجرد إخراج الحديث في مصنف لم يشترط صاحبه الصحة لا يعني رضى الإمام عنه.