إذا أصاب المسلم - في أرض العدو - حدًّا من سرقة أو شرب خمر أو نحوهما من موجبات الحدود فقد اختلف أهل العلم في إقامة الحدِّ عليه على ثلاثة أقوال:
الأول: يقام عليه الحد سواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب، وهو مذهب المالكية، وحكاه البيهقي وغيره عن الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، وحجتهم:
١ - أن الأدلة الآمرة بإقامة الحدود مطلقة، في كل مكان وزمان، كقوله تعالى:{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}(٢).
٢ - حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:«جاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر».
الثاني: لا حدَّ عليه في دار الحرب، لا إذا رجع، وهو مذهب أبي حنيفة على ما نقله ابن قدامة وابن القيم عنه - وقيَّده الحنفية بعدم وجود خليفة المسلمين ف دار الحرب، فإن كان معهم وجبت إقامة الحدود على من تلبَّس بها ولا تؤخَّر، فإن لم يكن معهم سقط الحد، واحتجوا بحديث:«لا تقام الحدود في دار الحرب»(٣) ولا أصل له.
ويستدل لهم بان سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أسقط الحد - حدَّ الخمر - عن أبي محجن، فخلَّى سبيله، وقال:«والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم»(٤).
الثالث: لا يقام عليه الحد في أرض الحرب، ولا يسقط عنه بالكلية، بل يؤخَّر حتى يرجع إلى أرض الإسلام:
وهو مذهب أحمد وإسحاق والأوزاعي، واستدلوا بما يلي:
(١) «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٦)، و «جواهر الإكليل» (٢/ ٢٨٦)، و «المغني» (١٠/ ٥٣٧ - مع الشرح الكبير)، و «سنن البيهقي» (٩/ ١٠٣)، و «نيل الأوطار» (٧/ ١٦٣)، و «الحدود والتعزيزات» (ص: ٣٩ - وما بعدها). (٢) سورة النور: ٢. (٣) لا أصل له: قال ابن الهمام الحنفي في «فتح القدير» (٥/ ٤٦): «لا يُعلم له وجود» اهـ. (٤) صحيح: أخرجه سعيد بن منصور (٢٥٠٢)، وابن أبي شيبة (٦/ ٥٥٠)، وعبد الرزاق (٩/ ٢٤٣).