أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ , ثنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ , ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ , حَدَّثَنِي أَبِي , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ , عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَآوَاهُمُ الْأَنْصَارُ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ، عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ وَكَانُوا لَا يَبِيتُونَ إِلَّا بِالسِّلَاحِ وَلَا يُصْبِحُونَ إِلَّا فِيهِ فَقَالُوا: تَرَوْنَ أَنَّا نَعِيشُ حَتَّى نَبِيتَ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ لَا نَخَافُ إِلَّا اللَّهَ فَنَزَلَتْ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ يَعْنِي: بِالنِّعْمَةِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ قَالَ الشَّيْخُ: وَفِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُعَذَّبِينَ بِمَكَّةَ حينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَمَا ظُلِمُوا فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، يَعْنِي بِهَا الرِّزْقَ الْوَاسِعَ فَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ فَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا أَعْطَى الرَّجُلَ عَطَاءَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ: خُذْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ هَذَا مَا وَعَدَكَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَمَا ادَّخَرَ لَكَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ ⦗٢٦٦⦘، وَحِينَ امْتَنَعَ أَبُو لَهَبٍ مِنَ الْإِسْلَامِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ فَمَاتَ أَبُو لَهَبٍ عَلَى شِرْكِهِ وَصَلِيَ النَّارَ بِكُفْرِهِ وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ وَأَبُو لَهَبٍ حَيٌّ فَلَمْ يُمْكِنْهُ مَعَ حِرْصِهِ عَلَى تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقْضِ كَلِمَتِهِ أَنْ يُظْهِرَ الْإِسْلَامَ لِيُشَكِّكَ النَّاسَ فِي النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِيمَا أَخْبَرَهُمْ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْأُمُورُ عَلَى الَاتِّفَاقِ وَتَسْتَمِرَّ عَلَى الصِّدْقِ فَلَا يَخْتَلِفُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ. وَأَمَّا الصَّرْفَةُ وَالتَّعْجِيزُ مَعَ تَوَهُّمِ الْقُدْرَةِ مِنْهُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ فَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِعَدَمِ الْمُعَارَضَةِ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَذَلِكَ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشُكَّ فِيهِ عَاقِلٌ مِنْ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَيْهِ لَبَادَرُوا إِلَيْهِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَتِهِ وَنَقْضِ كَلِمَتِهِ، وَلَمَا خَرَجُوا فِي أَمْرِهِ إِلَى نَصْبِ الْقِتَالِ وَالتَّغْرِيرِ بِالْأَنْفُسِ وَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ وَمُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْأَوْطَانِ وَلَكَانَ ذَلِكَ أَيْسَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْخُطُوبِ وَمُقَاسَاةِ هَذِهِ الشَّدَائِدِ وَالْكُرُوبِ فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلُوهُ دَلَّ عَلَى عَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ وَسَبِيلُ هَذَا سَبِيلُ رَجُلٍ عَاقِلٍ اشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ وَبِحَضْرَتِهِ مَاءٌ فَجَعَلَ يَتَلَوَّى مِنْ شِدَّةِ الظَّمَأِ وَلَا يَشْرَبُ الْمَاءَ فَلَا يَشُكُّ شَاكٌّ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ شُرْبِهِ أَوْ مَمْنوعٌ لِسَبَبٍ يَعُوقُهُ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ اخْتِيَارًا مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي لَهُ وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ مِنْهُ إِلَيْهِ وَهَذَا بَيِّنٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَمِنْ دَلَائِلِ صِدْقِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ عِنْدَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَقَدْ قَطَعَ الْقَوْلَ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِ مَا تَحَدَّاهُمْ بِهِ فَقَالَ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلنْ تَفْعَلُوا فَلَوْلَا عِلْمُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ خِلَافٌ وَإِلَّا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ ⦗٢٦٧⦘ عَقْلُهُ فِي أَنْ يَقْطَعَ الْقَوْلَ فِي شَيْءٍ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَهُوَ بِعَرَضِ أَنْ يَكُونَ. وَقَدْ رُوِّينَا فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَإِقرَارِهِمْ بِإِعْجَازِهِ مَا يَكْشِفُ عَنْ جُمْلَةٍ مِمَّا أَشَرْنَا إِلَيْهَا وَنَحْنُ نَقْتَصِرُ هَاهُنَا عَلَى
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.