الّذي لا يدرك ساحله، ولا يبلغ الطّية [١] البعيدة راحله، إلى الوادي، وسمر النّوادي [٢] ، وقرار دموع الغوادي [٣] ، للتّجاسر على تخطّيه، عند تمطّيه [٤] ، الجسر العادي، والوطن الّذي ليس من عمرو ولا زيد، والفرا الّذي في جوفه كلّ صيد [٥] ، أقلّ كرسيّه خلافة الإسلام، وأغار بالرّصافة [٦] والجسر دار السّلام [٧] ، وما عسى أن تطنب في وصفه ألسنة الأقلام أو تعبّر به عن ذلك الكمال فنون الكلام.
فأعملنا إليها السّرى والسّير، وقدنا إليها الخيل قد عقد الله في نواصيها الخير [٨] . ولما وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الإعانة من منعم مجزل، وتستنزل مدد الملائكة من منجد منزل، والرّكائب واقفة من خلفنا بمعزل، تتناشد في معاهد الإسلام:
«قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل [٩]
برز من حاميتها المحامية، ووقود النّار الحامية، وبقية السّيف الوافرة على الحصاد النّامية، قطع الغمائم الهامية، وأمواج البحور الطّامية، واستجنّت [١٠] بظلال أبطال المجال، أعداد الرجال، الناشبة [١١] والرامية، وتصدّى للنّزال، من
[١] الطية: الناحية. [٢] السمر: الحديث بالليل. والنادي: المجلس، والجمع الصحيح: أندية. [٣] الغاد: السحابة تنشأ فتمطر غدوة، والجمع غواد. [٤] تمطية: امتداده. كنى به عن امتلاء النهر بالمياه أيام الشتاء. [٥] الفرا: الحمار الوحشي، وهو من أعظم ما يصطاده الناس، وفي الكلام إشارة إلى المثل: «كل الصيد في جوف الفرا» الّذي يضرب لما يفضل على غيره. ميداني ٢/ ٥٥. [٦] الرصافة: قصر بناه عبد الرحمن الداخل، في الشمال الغربي لقرطبة، واتخذه لسكناه، نقل إليه من الشام كثيرا من أشجار الفاكهة والأزهار، وسماه باسم رصافة جده هشام بن عبد الملك. معجم البلدان ٤/ ٢٥٧. [٧] يريد بغداد، وسماها مدينة السلام أبو جعفر المنصور، وكان ذلك سنة ١٤٦ هـ. انظر تاريخ بغداد ١/ ٦٦- ٦٧. [٨] اشارة الى حديث البخاري: «الخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة» . الجامع الصحيح ٤/ ١٨٧ طبع الاستانة. [٩] مطلع المعلقة المشهورة لامرئ القيس. [١٠] استجنت: استترت. [١١] الناشبة: قوم يرمون بالنشاب، وهي السهام.