(الْأُصُولُ وَالْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ الْعَامَّةُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ)
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) إِنَّ اتِّبَاعَ هَدْيِ اللهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى رُسُلِهِ وَهُوَ الدِّينُ مُوجِبٌ لِلسَّعَادَةِ بِأَنَّ أَصْحَابَهُ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَهَذَا وَعْدٌ يَشْمَلُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ لِإِطْلَاقِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي الدُّنْيَا إِضَافِيٌّ مُطَّرِدٌ فِي الْأُمَمِ، وَإِضَافِيٌّ مُقَيِّدٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فِي الْأَفْرَادِ، وَفِي الْآخِرَةِ حَقِيقِيٌّ مُطَّرِدٌ لِلْجَمِيعِ، وَمُوجِبٌ لِشَقَاءِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ بَعْدَ بُلُوغِ دَعْوَتِهِ عَلَى وَجْهِهَا عَلَى نِسْبَةِ مُقَابَلِهِ فِي الدَّارَيْنِ وَالشَّاهِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى لِآدَمَ وَمَنْ مَعَهُ: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) الْآيَةَ ٣٨ وَالَّتِي بَعْدَهَا ٣٩. وَرَاجِعْ مَعْنَاهُمَا فِي سُورَةِ طه (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يْشَقَى) (٢٠: ١٢٣) الْآيَةَ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى (١٢٨) فَهِيَ مُوَضِّحَةٌ لِمَا أَرَدْنَا هُنَا.
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) الْآيَةَ ٤٠، وَهِيَ مُقَيِّدَةٌ لِسَعَادَةِ الدِّينِ بِأَنَّهَا تَحْصُلُ بِإِقَامَتِهِ، فَاللهُ يَقُولُ: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) فِي بَابِ الْإِطْلَاقِ، وَيَقُولُ فِي بَابِ التَّقْيِيدِ: (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرُكُمْ) وَهَذَا شَاهِدٌ عَلَى التَّقَيُّدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى، وَمِثْلُهُ (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) رَاجِعِ الْآيَاتِ ٨٤ - ٨٦.
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَتَأْمَرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الْكِتَابُ، وَلِلْمَعْقُولِ الْفِطْرِيِّ، إِذْ لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ قُبْحُ عَمَلِ مَنْ يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِالْخَيْرِ وَهُوَ يَتْرُكُهُ، أَوْ يَنْهَاهُ عَنْ فِعْلِ مَا يَضُرُّهُ مِنَ الشَّرِّ وَهُوَ يَفْعَلُهُ، وَأَنَّهُ يُقِيمُ بِذَلِكَ الْحُجَّةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ أَهْلًا لَأَنْ يُمْتَثَلُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ.
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) قَوْلُهُ تَعَالَى فِي مَقَامِ الْإِنْكَارِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ تَرْجِيحِ الْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى وَإِيثَارِ الْخَيْرِ عَلَى الشَّرِّ وَالْإِرْشَادِ إِلَى طَلَبِ مَا هُوَ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ مِمَّا يُقَابِلُهُ، وَفِي طَلَبِ الْمَعَالِي وَالْكَمَالِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مِنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (: ١٣٠) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.