سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرِجْلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ: " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمَلِكُ " قَالُوا: وَإِنَّمَا هِيَ ثَلَاثُونَ بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ. وَأُجِيبُ بِمِثْلِ مَا قُلْنَا آنِفًا مِنْ أَنَّ عَدَدَ آيَاتِ السُّوَرِ بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ خَاصٌّ بِالسُّورَةِ وَهُوَ مَا دُونُ الْبَسْمَلَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَنَّ سُورَةَ الْكَوْثَرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: " بَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) . وَهَذَا الْحَدِيثُ نَاطِقٌ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنْ سُورَةِ الْكَوْثَرِ مَعَ عَدَمِ عَدِّهَا مِنْ آيَاتِهَا لِمَا ذَكَرْنَا، فَكَوْنُهَا آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ أَوْلَى وَهُوَ أَصَحُّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ؛ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَعَلَّهُ بِأَنَّ عَبَّاسًا الْحَشَمِيَّ رَاوِيَهُ لَا يُعْرَفُ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَاسْتَدَلُّوا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي عَدَمِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ لَهَا فِي الصَّلَاةِ وَأَصْرَحُهَا قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: " صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَ عُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ. فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا " يَعْنِي الْبَسْمَلَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ، فَقَدْ كَانَ لَهُ سَبْعَةُ أَوْلَادٍ وَهَذِهِ عِلَّةٌ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْحَدِيثِ. قَالُوا: وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ الْحَرِيرِيُّ وَقِيلَ: إِنَّهُ قَدِ اخْتَلَطَ بِآخِرِهِ. وَقَدْ يُفَسَّرُ بِمَا تَرَى فِيمَا قَالُوهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ قَالَ: " صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: وَفِي لَفْظٍ " صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِبَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ: " صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا آخِرِهَا ". وَلِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَخَلَفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " قَالَ شُعْبَةُ قُلْتُ لِقَتَادَةَ: أَنْتَ سَمِعْتَ مَنْ أَنِسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ نَحْنُ سَأَلْنَاهُ عَنْهُ. وَلِلنَّسَائِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَازَانَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُمَا " اهـ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.