وَأَعْدَائِهِمُ الظَّالِمِينَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ
وَمَنْ تَبِعَهُ: إِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى اسْتِبْعَادِ نَصْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ اللهِ اقْتَضَتْ عِقَابَهُمْ بِالنَّارِ، وَمَا قُلْتُهُ أَقْرَبُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ مَا وَرَدَ مِنَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ وِلَايَةِ الْكُفَّارِ وَاتِّخَاذِ وَلِيجَةٍ مِنْ دُونِ اللهِ وَرَسُولِهِ مِنْهُمْ، وَعَنِ اتِّخَاذِ الْمُؤْمِنِينَ بِطَانَةً مِنْ دُونِهِمْ، وَقَدِ اتَّخَذَ الْمُشْرِكُونَ وَسَائِلَ كَثِيرَةً لِاسْتِمَالَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الرُّكُونِ إِلَيْهِمْ، فَعَصَمَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ كَادَ يُرَجِّحُ لَهُ اجْتِهَادُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ ذَلِكَ مَصْلَحَةً وَاسْتِمَالَةً لَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: - وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا - ١٧: ٧٤ و٧٥ يَعْنِي لَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ بِالْعِصْمَةِ لَقَارَبْتَ أَنْ تَرْكَنَ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الرُّكُونِ، كَأَنْ تُصَدِّقَهُمْ أَنَّهُمْ أَهْلٌ لِأَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِمْ بَعْضَ الِاعْتِمَادِ، إِذَا أَقْبَلْتَ عَلَيْهِمْ وَأَعْرَضْتَ عَنْ فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لِاسْتِمَالَتِهِمْ، كَمَا فَعَلْتَ مَعَ الْأَعْمَى، وَلَكِنَّ تَثْبِيتَنَا إِيَّاكَ عَصَمَكَ مِنْ مُقَارَبَةِ أَقَلِّ الرُّكُونِ إِلَيْهِمْ، فَضْلًا عَنْ مُقَارَفَةِ هَذَا الْأَقَلَّ، فَالْآيَةُ الْأُولَى نَصٌّ فِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا رَكَنَ أَقَلَّ الرُّكُونِ وَلَا قَارَبَ أَنْ يَرْكَنَ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ (فَرْضًا) لَعَاقَبَهُ اللهُ عِقَابًا فِي الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ مَعًا، وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي الزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ لِغَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الرُّكُونِ إِلَيْهِمْ لَا تَصِلُ بَلَاغَةُ الْكَلَامِ الْبَشَرِيِّ إِلَى مَبَادِئِهَا، فَضْلًا عَنْ أَوْسَاطِهَا أَوْ غَايَاتِهَا.
وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الرُّكُونِ فِي اللُّغَةِ الْمَيْلَ الْيَسِيرَ مَهْمَا يَكُنْ نَوْعُهُ كَمَا زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَمُقَلِّدُوهُ، لَكَانَ هَذَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى قَلِيلٍ مِنْهُ عَلَى قِلَّتِهِ فِي نَفْسِهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ تُرَادَ بِهِ حَقِيقَتُهُ ; لِأَنَّهُ أَشَدُّ الْوَعِيدِ عَلَى مَا لَا يَسْتَطِيعُ بَشَرٌ اتِّقَاءَهُ إِلَّا بِعِصْمَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - كَمَا سَتَرَى فِي تَفْسِيرِهِمْ لَهُ، أَمَا وَالْحَقُّ مَا قُلْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ الرُّكُونَ إِلَى الشَّخْصِ أَوِ الشَّيْءِ هُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِنَادُ إِلَيْهِ وَجَعْلُهُ رُكْنًا شَدِيدًا لِلرَّاكِنِ، فَأَجْدَرُ بِقَلِيلِهِ أَنْ يُتَعَذَّرَ اجْتِنَابُهُ عَلَى أَكْمَلِ الْبَشَرِ إِلَّا بِالْعِصْمَةِ وَالتَّثْبِيتِ الْخَاصِّ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ يَنْهَى جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمَيْلِ الْيَسِيرِ إِلَى مَنْ وَقَعَ مِنْهُ أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الظُّلْمِ؟
لَمْ يَكُنْ مَيْلُ النَّفْسِ الطَّبْعِيُّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَرْحَامِهِمُ الْمُشْرِكِينَ الظَّالِمِينَ وَلَا الْبِرُّ بِهِمْ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ مَحْظُورًا عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرُّكُونِ إِلَيْهِمْ الْخَاصُّ بِالْوِلَايَةِ لَهُمْ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَلَا مِنَ الْمَيْلِ إِلَيْهِمْ لِأَجْلِ الظُّلْمِ. وَلَمَّا فَعَلَ
حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فَعْلَتَهُ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْوِلَايَةِ الْحَرْبِيَّةِ مِنْهَا إِلَى صِلَةِ الرَّحِمِ كَمَا تَأَوَّلَهَا، أَنْزَلَ اللهُ - تَعَالَى - سُورَةَ الْمُمْتَحِنَةِ الَّتِي نَهَى فِيهَا عَنْ وِلَايَةِ الْمُشْرِكِينَ الظَّالِمِينَ الْمُقَاتِلِينَ فِي الدِّينِ وَالْمَوَدَّةِ فِيهَا وَقَالَ: - وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - ٦٠: ٩ وَأَذِنَ بِالْبِرِّ وَالْقِسْطِ لِغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ، وَلَا تَنْسَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.