وَالْآرَاءِ وَالْأَفْكَارِ الْبَشَرِيَّةِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَمِنْهُ جَمِيعُ نَظَرِيَّاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْعَقْلِيَّةِ، وَكَشْفُ فَلْسَفَةِ الصُّوفِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، وَأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلْبَشَرِ كَافَّةً أَنْ يَقْصُرُوا هِدَايَةَ الدِّينِ عَلَى نُصُوصِ الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلَةِ، وَمَا بَيَّنَهُ مِنْ سُنَّةِ الرَّسُولِ الْمُتَّبَعَةِ، وَسِيرَةِ خُلَفَائِهِ وَجُمْهُورِ عِتْرَتِهِ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ فُشُوِّ الِابْتِدَاعِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الْمِلَّةِ، ثُمَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ مِنْ مُجْتَهَدِي الْأُمَّةِ، وَأَنْ يَعْذُرَ بَعْضُهَمْ بَعْضًا فِيمَا لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأُصُولِ مِنَ الْمَسَائِلِ غَيْرِ الْقَطْعِيَّةِ فِي الدِّينِ فَلَا يَجْعَلُوهُ سَبَبًا لِلتَّفَرُّقِ وَالشِّقَاقِ، بِالتَّعَصُّبِ لِلْمَذَاهِبِ وَالشِّيَعِ وَالْأَحْزَابِ ; لِئَلَّا يَكُونُوا مِمَّنْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ فِيهِمْ: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (٦: ١٥٩) فَاسْتَحَقُّوا وَعِيدَ قَوْلِهِ: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (٦: ٦٥) وَقَوْلِهِ: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٣: ١٠٥) .
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) أَنَّ الْبِدَعَ الَّتِي فَرَّقَتِ الْأُمَّةَ فِي أُصُولِ دِينِهَا وَجَعَلَتْهَا شِيَعًا تُؤْثِرُ كُلُّ شِيعَةٍ أَتْبَاعَ زُعَمَائِهَا وَمَذَاهِبِهَا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَهَدْيِ سَلَفِهِ الصَّالِحِ بِالتَّأْوِيلِ، مِنْ حَيْثُ تَدَّعِي أَنَّ أَئِمَّتَهَا أَعْلَمُ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ بِتَأْوِيلِ الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ مُؤَيَّدٌ بِالْكَشْفِ وَبَعْضَهُمْ بِالْعِصْمَةِ، فَهُمْ أَحَقُّ بِأَنْ يُقَلَّدُوا وَيُتَّبَعُوا، وَلَكِنَّ الْأَعْلَمَ إِنَّمَا يُعْلَمُ بِالدَّلِيلِ لَا بِالتَّقْلِيدِ، وَإِنَّمَا تُفْهَمُ النُّصُوصُ بِقَوَاعِدِ اللُّغَةِ وَالسُّنَّةِ الْعَمَلِيَّةِ لَا بِمَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَلِهَذِهِ الْبِدَعِ الْمُفَرِّقَةِ ثَلَاثُ مَثَارَاتٍ مِنْ أَرْكَانِ حَضَارَةِ الْأُمَمِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ: السِّيَاسَةُ وَالسُّلْطَانُ، وَالْعِلْمُ الْعَقْلِيُّ وَالْعُرْفَانُ
وَفَلْسَفَةُ التَّعَبُّدِ وَالْوِجْدَانِ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ دَعْوَى عِلْمِ الْغَيْبِ الْمُسَمَّى بِالْكَشْفِ، وَالْكَرَامَاتِ الشَّامِلَةِ لِدَعْوَى التَّصَرُّفِ فِي الْكَوْنِ، وَنَقُولُ فِي كُلٍّ مِنْهَا كَلِمَةً:
(١) السِّيَاسَةُ الدَّوْلِيَّةُ وَكَانَ مَثَارَهَا الْأَوَّلَ مَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -، ثُمَّ كَانَ أَشَدَّهَا إِفْسَادًا مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَقَدْ زَالَتِ الْخِلَافَةُ وَضَاعَتْ سِيَادَةُ الْأُمَّةِ مِنْ أَكْثَرِ الْعَالَمِ، وَمَفَاسِدُهَا لَا تَزَالُ مَاثِلَةً، بِمَا لِلزُّعَمَاءِ الْمُسْتَغِلِّينَ لَهَا مِنَ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ الزَّائِلَةِ، وَإِنَّهَا لَعَصَبِيَّةٌ قَضَتْهَا السِّيَاسَةُ، وَسَتَقْضِي عَلَيْهَا السِّيَاسَةُ، وَقَدْ زَالَتِ السُّلْطَةُ الدِّينِيَّةُ مِنْ بَعْضِ مَمَالِكِ الْمُسْلِمِينَ وَبَقِيَ لَهَا بَقِيَّةٌ فِي بَعْضٍ، وَبَعْضُهَا مُذَبْذَبَةٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَلَا مَحَلَّ لِبَسْطِ ذَلِكَ هُنَا وَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ. إِلَّا التَّذْكِيرُ بِأَنَّ الْمُنْتَمِينَ إِلَى مَذَاهِبِ السُّنَّةِ قَدْ غَلَبَهُمْ جَهَلَةُ الْأَعَاجِمِ عَلَى خِلَافَتِهِمْ بَعْدَ أَنْ جَعَلُوهَا عَصَبِيَّةً وِرَاثِيَّةً، فَلَمْ يَعْمَلُوا أَيَّ عَمَلٍ لِتَقْوِيَتِهَا بَعْدَ ضَعْفِهَا، وَلَا لِإِحْيَائِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَلَمْ يَضَعُوا نِظَامًا لِلِاسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ عِنْدَ سُنُوحِ الْفُرْصَةِ كَمَا فَعَلَ الْكَاثُولِيكُ بِنِظَامِ الْفَاتِيكَانِ الْبَابَوِيِّ، وَكَانَتِ الزَّيْدِيَّةُ مِنَ الشِّيعَةِ الْمُعْتَدِلَةِ أَشَدَّ حَزْمًا وَاعْتِصَامًا مِنْهُمْ بِنَصْبِ إِمَامٍ بَعْدَ إِمَامٍ لَهُمْ فِي جِبَالِ الْيَمَنِ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُقَاتِلُونَ مَعَهُ بَيْدَ أَنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي وَضْعِ نِظَامٍ لِتَعْمِيمِ الدَّعْوَةِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ بِالْعِلْمِ وَالْمَالِ وَالْقُوَّةِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.