(ثَالِثُهَا) أَنْ يَكُونَ غَرَضَهُمْ مِنَ التَّمَكُّنِ فِي الْأَرْضِ وَالْحُكْمِ فِيهَا إِقَامَةُ الصَّلَاةِ الْمُزَكِّيَةِ لِلْأَنْفُسِ بِنَهْيِهَا عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ كَمَا وَصَفَهَا تَعَالَى، وَالْمُرَبِّيَةِ لِلْأَنْفُسِ عَلَى مُرَاقَبَةِ اللهِ وَخَشْيَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ الْمُصْلِحَةِ لِلْأُمُورِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ - وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الشَّامِلِ لِكُلِّ خَيْرٍ وَنَفْعٍ لِلنَّاسِ - وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الشَّامِلِ لِكُلِّ شَرٍّ وَضُرٍّ يَلْحَقُ صَاحِبَهُ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ النَّاسِ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ إِيثَارُ السَّلْمِ عَلَى الْحَرْبِ)
هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَاعِدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا إِذَا عُلِمَ بِهِمَا أَنَّ الْحَرْبَ ضَرُورَةٌ يَقْتَضِيهَا مَا ذُكِرَ فِيهِمَا مِنَ الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ، وَأَنَّ السَّلْمَ هِي الْأَصْلُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا النَّاسُ؛ فَلِهَذَا أَمَرَنَا اللهُ بِإِيثَارِهَا عَلَى الْحَرْبِ إِذَا جَنَحَ الْعَدُوُّ لَهَا، وَرَضِيَ بِهَا، وَالشَّاهِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (٨: ٦١) فَرَاجِعْ تَفْسِيرَهَا فِي ص ٥٩، ١٢٦ وَمَا بَعْدَهَا ج ١٠ ط الْهَيْئَةِ.
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ الِاسْتِعْدَادُ التَّامُّ لِلْحَرْبِ لِأَجْلِ الْإِرْهَابِ الْمَانِعِ مِنْهَا)
إِنَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الدَّوْلَةُ قَبْلَ الْحَرْبِ، هُوَ إِعْدَادُ الْأُمَّةِ كُلَّ مَا تَسْتَطِيعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُوَّةِ الْحَرْبِيَّةِ وَرِبَاطِ الْخَيْلِ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِحَسْبِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ مِنْ ذَلِكَ إِرْهَابُ الْأَعْدَاءِ وَإِخَافَتُهُمْ مِنْ عَاقِبَةِ التَّعَدِّي عَلَى بِلَادِ الْأُمَّةِ أَوْ مَصَالِحِهَا، أَوْ عَلَى أَفْرَادٍ مِنْهَا أَوْ مَتَاعٍ لَهَا حَتَّى فِي غَيْرِ بِلَادِهَا؛ لِأَجْلِ أَنْ تَكُونَ آمِنَةً فِي عُقْرِ دَارِهَا، مُطَمْئِنَةً عَلَى أَهْلِهَا وَمَصَالِحِهَا وَأَمْوَالِهَا، وَهَذَا يُسَمَّى فِي
عُرْفِ هَذَا الْعَصْرِ بِالسِّلْمِ الْمُسَلَّحَةِ أَوِ التَّسْلِيحِ السِّلْمِيِّ، وَتَدَّعِيهِ الدُّوَلُ الْعَسْكَرِيَّةُ فِيهِ زُورًا وَخِدَاعًا فَتُكَذِّبُهَا أَعْمَالُهَا، وَلَكِنَّ الْإِسْلَامَ امْتَازَ عَلَى الشَّرَائِعِ كُلِّهَا بِأَنْ جَعْلَهُ دِينًا مَفْرُوضًا، فَقَيَّدَ بِهِ الْأَمْرَ بِإِعْدَادِ الْقُوَى وَالْمُرَابَطَةِ لِلْقِتَالِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) (٨: ٦٠) .
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ الرَّحْمَةُ فِي الْحَرْبِ)
إِذَا كَانَ الْغَلَبُ وَالرُّجْحَانُ فِي الْقِتَالِ لِلْمُسْلِمِينَ الْمُعَبَّرِ بِالْإِثْخَانِ فِي الْأَعْدَاءِ، وَأَمِنُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ظُهُورَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ، فَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقَتْلِ، وَيَكْتَفُوا بِالْأَسْرِ، ثُمَّ يُخْبِرُهُمْ فِي الْأُسَارَى إِمَّا بِالْمَنِّ عَلَيْهِمْ بِإِطْلَاقِهِمْ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ، وَإِمَّا بِأَخْذِ الْفِدَاءِ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ نَصُّ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) (٤٧: ٤) الْآيَةَ. وَقَدْ أَوْرَدْنَاهَا وَبَيَّنَّا مَعْنَاهَا فِي تَفْسِيرِ (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) (٨: ٦٧) الْآيَةَ: (رَاجِعْ تَفْسِيرَهَا فِي ص ٧٢ وَمَا بَعْدَهَا ج ١٠ ط الْهَيْئَةِ) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.