وَقَوْلُهُ فِي صِفَاتِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) (٥٧: ٧٢) وَوَصَفَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخُشُوعِ وَالْإِخْبَاتِ لِلَّهِ وَتَمْحِيصِهَا مِنَ الشَّوَائِبِ، وَقُلُوبِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ بِالرِّجْسِ وَالْمَرَضِ وَالْقَسْوَةِ وَالزَّيْغِ. وَعَبَّرَ عَنْ فَقْدِهَا لِلِاسْتِعْدَادِ لِلْحَقِّ وَالْخَيْرِ بِالطَّبْعِ وَالْخَتْمِ وَالرَّيْنِ عَلَيْهَا، أَيْ أَنَّهَا كَالْمَخْتُومِ عَلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ جَدِيدٌ.
وَإِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ دِينَ الْعَقْلِ وَالْبُرْهَانِ، وَحُرِّيَّةِ الضَّمِيرِ وَالْوِجْدَانِ، مَنَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْإِكْرَاهِ فِي الدِّينِ وَالْإِجْبَارِ عَلَيْهِ وَالْفِتْنَةِ وَالِاضْطِهَادِ لِمُخَالِفِيهِمْ فِيهِ، وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ بَيَّنَّاهَا فِي مَحَلِّهَا، وَمِنْ دَلَائِلِهَا ذَمُّ الْقُرْآنِ لِلتَّقْلِيدِ وَتَضْلِيلُ أَهْلِهِ.
(٦) مَنْعُ التَّقْلِيدِ وَالْجُمُودِ عَلَى اتِّبَاعِ الْآبَاءِ وَالْجُدُودِ:
كُلُّ مَا نَزَلَ مِنَ الْآيَاتِ فِي مَدْحِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ وَاسْتِقْلَالِ الْعَقْلِ وَالْفِكْرِ وَحُرِّيَّةِ الْوِجْدَانِ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ التَّقْلِيدِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّهِ وَالنَّعْيِ عَلَى أَهْلِهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ) (٢: ١٧٠) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ يَاأَيُّهَا) (٥: ١٠٤) ذَمَّهُمْ مِنْ نَاحِيَتَيْنِ: (إِحْدَاهُمَا) الْجُمُودُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ وَالِاكْتِفَاءُ بِهِ عَنِ التَّرَقِّي فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَأْنِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ الْعَاقِلِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ تَقْتَضِي النُّمُوَّ وَالتَّوْلِيدَ، وَالْعَقْلُ يَطْلُبُ الْمَزِيدَ وَالتَّجْدِيدَ. (وَالثَّانِيَةُ) أَنَّهُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ لِآبَائِهِمْ قَدْ فَقَدُوا مَزِيَّةَ الْبَشَرِ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْحُسْنِ وَالْقَبِيحِ، بِطَرِيقِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ، وَطَرِيقِ الِاهْتِدَاءِ فِي الْعَمَلِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (٧: ٢٨) وَقَالَ تَعَالَى فِي عِبَادَةِ الْعَرَبِ لِلْمَلَائِكَةِ: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (٤٣: ٢٠ - ٢٣) وَقَدْ وَرَدَتِ الشَّوَاهِدُ عَلَى هَذَا فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ قَوْمِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالشُّعَرَاءِ وَالصَّافَّاتِ.
فَالْقُرْآنُ قَدْ جَاءَ يَهْدِي جَمِيعَ مُتَّبِعِي الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ السَّابِقَةِ إِلَى اسْتِعْمَالِ عُقُولِهِمْ مَعَ ضَمَائِرِهِمْ لِلْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ وَالْهُدَى فِي الدِّينِ، وَأَلَّا يَكْتَفُوا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ وَأَجْدَادُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.