لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الظَّوَاهِرِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يُحَاسِبُ، وَيُعَاقِبُ عَلَى السَّرَائِرِ، وَأَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُوَفَّى لَهُ، وَكَانَ الْيَهُودُ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِذَا ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ خِيَانَتِهِمْ وَغَدْرِهِمُ اعْتَذَرُوا عَنْهُ، حَتَّى إِذَا مَا افْتَضَحَ أَمْرُهُمْ حَارَبَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَجْلَاهُمْ عَنِ الْبِلَادِ، كَمَا تَرَى فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ (٥٥ - ٥٨) مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ (٤٢ - ٥٢ ج ١٠ ط الْهَيْئَةِ) .
وَقَدْ قَصَّ اللهُ عَلَيْنَا فِي سُورَةِ الْحَشْرِ مَا كَانَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنَ الْإِخَاءِ وَالْوَلَاءِ، وَأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا، عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ ظَاهَرُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَفُوا لِلْيَهُودِ بِمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ مِنْ نَصْرِهِمْ إِذَا هُمْ أَظْهَرُوا عَدَاوَتَهُمْ ; لِأَنَّ الْمُنَافِقَ الْقُحَّ دُونَ الْمُتَدَيِّنِ الْكَافِرِ هِمَّةً وَشَرَفًا وَخُلُقًا. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) (٥٩: ١١ و١٢) .
كَانَ سَبَبُ مُعَاهَدَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْيَهُودِ وَإِقْرَارِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ حُرِّيَّةٍ وَعَدْلٍ، وَدَعْوَتُهُ قَائِمَةٌ عَلَى الْبُرْهَانِ وَالْحُجَّةِ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْذِ أَوْلَادِهِمُ الَّذِينَ تَهَوَّدُوا وَانْضَمُّوا إِلَى الْيَهُودِ بِالْقُوَّةِ، وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يُخَيِّرُوهُمْ إِذْ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)
(٢: ٢٥٦) .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سَبَبَ مُعَامَلَةِ الْمُنَافِقِينَ بِظَاهِرِ إِسْلَامِهِمْ هُوَ أَنَّ أَمْرَ السَّرَائِرِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُهَا، وَهُوَ الَّذِي يُجَازِي عَلَيْهَا، وَلَا يُبَاحُ لِحَاكِمٍ وَلَا لِنَبِيٍّ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى إِنْسَانٍ بِأَنَّهُ يُسِرُّ الْكُفْرَ فِي نَفْسِهِ وَلَا أَنْ يَتَّهِمَهُ بِذَلِكَ وَيُعَاقِبَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَثْبُتُ الْكُفْرُ عَلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا بِإِقْرَارٍ صَرِيحٍ مِنْهُ، أَوْ صُدُورِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ كَتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ أَوِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ جُحُودِ كَوْنِهِ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ ; وَالشِّرْكِ بِاللهِ بِدُعَاءِ غَيْرِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ تَأْوِيلٌ، كَجُحُودِ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، أَوِ اسْتِحْلَالِ الزِّنَى وَالرِّبَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ.
وَأَمَّا حِكْمَةُ ذَلِكَ وَفَائِدَتُهُ فَهِيَ أَنَّ مَنْ يَلْتَزِمُ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ إِيمَانٍ يَقِينِيٍّ فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ - بِطُولِ الْعَمَلِ - أَنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ لِلْإِيمَانِ وَيَطْمَئِنَّ بِهِ قَلْبُهُ، وَيُوقِنَ بِهِ عَقْلُهُ، وَإِلَّا كَانَتِ اسْتِفَادَتُهُ وَإِفَادَتُهُ لِلْأُمَّةِ دُنْيَوِيَّةً فَقَطْ.
(فَإِنْ قِيلَ) إِنَّ مُقْتَضَى حُرِّيَّةِ الدِّينِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا الْإِسْلَامُ فِي مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ - إِذْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.