وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، وَيَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ " فَالْإِسْلَامُ لَهُ نُورٌ، وَالْإِيمَانُ لَهُ نُورٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَالْإِحْسَانُ لَهُ نُورٌ
أَقْوَى مِنْهُ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ وَالْإِحْسَانُ وَزَالَتِ الْحُجُبُ الشَّاغِلَةُ عَنِ اللهِ امْتَلَأَ الْقَلْبُ وَالْجَوَارِحُ بِذَلِكَ النُّورِ، لَا بِالنُّورِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الرَّبِّ - تَعَالَى - فَإِنَّ صِفَاتَهُ لَا تَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، كَمَا أَنَّ مَخْلُوقَاتَهُ لَا تَحِلُّ فِيهِ، فَالْخَالِقُ بَائِنٌ عَنِ الْمَخْلُوقِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، فَلَا اتِّحَادَ وَلَا حُلُولَ وَلَا مُمَازَجَةَ، تَعَالَى الله عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عُلُوًّا كَبِيرًا " اهـ.
أَقُولُ: هَذَا التَّصَوُّفُ الْمُرَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا تَصَوُّفُ ابْنُ عَرَبِيٍّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَفْيِ كُلٍّ مِنْهَا لِلْحُلُولِ، أَنَّ هَذَا يَقُولُ: إِنَّ الْخَلْقَ وَالْخَالِقَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَالشَّيْءُ لَا يَحِلُّ فِي نَفْسِهِ، وَالْآخَرُ يَقُولُ: إِنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَهُمَا الْمُبَايَنَةُ التَّامَّةُ، وَهَذَا التَّوْحِيدُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي فَوَائِدِ الذَّكْرِ مِنَ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَهُوَ: " إِنَّ الذِّكْرَ نُورٌ لِلذَّاكِرِ فِي الدُّنْيَا، وَنُورٌ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنُورٌ لَهُ فِي مَعَادِهِ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الصِّرَاطِ فِي اسْتِنَارَةِ الْقُلُوبِ وَالْقُبُورِ بِمِثْلِ ذِكْرِ اللهِ - تَعَالَى - قَالَ - تَعَالَى -: أَوَ مَنْ كَانَ مَيِّتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا (٦: ١٢٢) فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي اسْتَنَارَ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ، وَالْآخَرُ هُوَ الْغَافِلُ عَنِ اللهِ - تَعَالَى - الْمُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَالشَّأْنُ كُلُّ الشَّأْنِ وَالْفَلَّاحُ كُلُّ الْفَلَاحِ فِي النُّورِ، وَالشَّقَاءُ كُلُّ الشَّقَاءِ فِي فَوَاتِهِ، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَالِغُ فِي سُؤَالِ رَبِّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - حِينَ يَسْأَلُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي لَحْمِهِ وَعِظَامِهِ وَعَصَبِهِ وَشَعْرِهِ وَبَشَرِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَخَلْفِهِ وَأَمَامِهِ حَتَّى يَقُولَ: " وَاجْعَلْنِي نُورًا " فَسَأَلَ رَبَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أَنْ يَجْعَلَ النُّورَ فِي ذَرَّاتِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ مُحِيطًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ ذَاتَهُ وَجُمْلَتَهُ نُورًا، فَدِينُ اللهِ - تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ - نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، وَرَسُولُهُ نُورٌ، وَدَارُهُ الَّتِي أَعَدَّهَا لِأَوْلِيَائِهِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَهُوَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ النُّورُ، وَأَشْرَقَتِ الظُّلُمَاتُ لِنُورِ وَجْهِهِ، وَفِي دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الطَّائِفِ: " أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ
وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ، أَوْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.