عَلَى الْأَعْمَالِ وَالْبِشَارَةِ وَالْإِنْذَارِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَأَبْلَغُ الْآيَاتِ فِيهِ التَّذْكِيرُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ كَقَوْلِهِ: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) (٢٢) إِلَى آخِرِ آيَةِ (٢٤) وَقَوْلِهِ: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) (٢٧) إِلَى آخِرِ آيَةِ (٣٢) وَقَدْ جَاءَ هَذَا بَعْدَ حِكَايَةِ إِنْكَارِ الْبَعْثِ عَنْهُمْ وَحَصْرِهِمُ الْحَيَاةَ فِي الدُّنْيَا، فَبَيَّنَ لَهُمْ سُوءَ مَصِيرِهِمْ فِي الْآخِرَةِ الَّتِي يُنْكِرُونَهَا لِعَدَمِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا بِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَخَتَمَ السِّيَاقَ بِحَصْرِ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِاللَّعِبِ وَاللهْوِ الَّذِي هُوَ شَأْنُ الْأَطْفَالِ وَتَفْضِيلِ الْآخِرَةِ عَلَيْهَا. وَيُنَاسِبُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ) (٧٠) الْآيَةَ. وَكُلُّ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي الْجُزْءِ السَّابِعِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا جَاءَ فِي أُسْلُوبِ حَشْرِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَبَيَانِ مَا يَقُولُهُ يَوْمَئِذٍ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ، وَسُؤَالِ اللهِ إِيَّاهُمْ عَنْ مَجِيءِ الرُّسُلِ مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ يَقُصُّونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِ رَبِّهِمْ وَيُنْذِرُونَهُمْ لِقَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَشَهَادَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ - (رَاجِعْ تَفْسِيرَ الْآيَاتِ) (١٢٨ - ١٣٠) وَقَدْ جَمَعَ فِي الْآيَاتِ) (١٣٣ - ١٣٥) بَيْنَ الْوَعِيدِ بِسُوءِ عَاقِبَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا.
إِذَا اسْتَقْصَى الْقَارِئُ آيَاتِ الْبَعْثِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ يَرَاهَا تُخْبِرُ بِشَيْءٍ ثَابِتٍ مُقَرَّرٍ، هُوَ لِصِدْقِ الْمُخْبِرِ بِهِ كَأَنَّهُ مُسَلَّمٌ ; لِإِنْذَارِ مَا يَقَعُ فِي يَوْمِهِ مِنَ الْعَذَابِ لِلْمُجْرِمِينَ عَسَى أَنْ يُتَّقَى، وَالْبِشَارَةِ بِمَا أُعِدَّ فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ عَسَى أَنْ يُسْعَى لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْهُدَى. وَيَظُنُّ الَّذِينَ اعْتَادُوا تَلَقِّيَ الْعَقَائِدِ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِيَّاتِ الْجَدَلِيَّةِ، أَنَّ هَذِهِ دَعَاوَى غَيْرُ بُرْهَانِيَّةٍ. وَإِنَّمَا هِيَ أَسَالِيبُ خَطَابِيَّةٌ. وَالصَّوَابُ أَنَّهَا أَخْبَارٌ أَخْبَرَ بِهَا مَنْ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ فِي صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ عَلَى رِسَالَتِهِ. وَلَمْ يَأْتِ مُنْكِرُوهَا بِدَلِيلٍ عَلَى إِنْكَارِهَا وَلَا شُبْهَةٍ. فَيُحْتَاجَ إِلَى إِبْطَالِهَا بِالْحُجَّةِ. وَإِنَّمَا كَانَ سَبَبُ الْإِنْكَارِ اسْتِغْرَابَ مَا لَمْ يُعْرَفْ وَلَمْ
يُؤْلَفْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَهَذَا جَهْلٌ وَغَفْلَةٌ مِنْ قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي بَدَأَ هَذَا الْخَلْقَ، وَبِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَلِهَذَا اكْتَفَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِجَعْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي ثُبُوتِهَا كَالْقَضَايَا الْمُسَلَّمَةِ مَعَ التَّذْكِيرِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ بِمَشِيئَةِ اللهِ النَّافِذَةِ وَقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ، وَحِكْمَتِهِ فِي التَّكْلِيفِ وَالْجَزَاءِ وَكَوْنِهِ رَحْمَةً مِنْهُ تَعَالَى وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ كَالْآيَاتِ الثَّلَاثِ ١٣٣ - ١٣٥، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الصِّفَاتِ هُنَا بِأُسْلُوبِ الِاسْتِدْلَالِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكِ عَنِ الْمُنْكِرِينَ شَيْئًا مِنَ الِاحْتِجَاجِ، وَمَا ثَمَّ احْتِجَاجٌ، وَلَا مَا حَكَاهُ عَنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ التَّعَجُّبِ وَالِاسْتِغْرَابِ، فَكَانَ الْغَرَضُ مِنْ سَرْدِ الْآيَاتِ بِالْأَسَالِيبِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا التَّأْثِيرَ فِي النَّفْسِ، فَإِنَّ مِنْ غَرَائِزِ الْبَشَرِ وَمُقْتَضَى فِطْرَتِهِمْ أَنْ تَتَأَثَّرَ أَنْفُسُهُمْ وَعُقُولُهُمْ بِمَا يَتَكَرَّرُ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ مِنْ كَلَامِ الصَّادِقِينَ الْمُوقِنِينَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانُوا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ، وَقَدْ كَانَ فِيمَا نَزَلَ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ حِكَايَةُ تَعَجُّبِهِمْ مِنْ خَبَرِ الْبَعْثِ وَتَفْنِيدُ ذَلِكَ بِأُسْلُوبِ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ. وَدَحْضِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.