بِالْمَصْدَرِ، فَهُوَ كَدَنَفٍ وَدَنِفٍ: وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ " يَصْعَدُ " بِسُكُونِ الصَّادِ مُضَارِعُ صَعِدَ الثُّلَاثِيِّ (كَفَرِحَ يَفْرَحُ) وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ يَصَّاعَدُ بِالْأَلْفِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ وَأَصْلُهُ يَتَصَاعَدُ، أَيْ يُحَاوِلُ الصُّعُودَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، وَالْبَاقُونَ (يَصَّعَّدُ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَالْعَيْنِ وَأَصْلُهُ يَتَصَعَّدُ أَيْ يَتَكَلَّفُ الصُّعُودَ وَيُحَاوِلُ مِنْهُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ.
وَهَذَا وَصْفٌ لِلْكَافِرِ غَيْرِ الْمُسْتَعِدِّ لِقَبُولِ الْإِسْلَامِ بِمَا أَفْسَدَ مِنْ فِطْرَتِهِ بِالشِّرْكِ وَأَعْمَالِهِ، وَبِمَا تَدَنَّسَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ رَذِيلَتَيِ الْكِبْرِ وَالْحَسَدِ اللَّذَيْنِ يَصْرِفَانِ الْمُدَنَّسَ بِهِمَا عَنِ التَّأَمُّلِ فِيمَا يُدَعَى إِلَيْهِ وَالْحِرْصِ عَلَى اسْتِبَانَةِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِيهِ، وَيَشْغَلَانِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ مَعَ الدَّاعِي لَهُ إِلَى الشَّيْءِ، فَيَعِزُّ عَلَى الْمُسْتَكْبِرِ وَالْحَاسِدِ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ وَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ أَجْدَرَ بِالْإِمَامَةِ مِنْهَا بِالْقُدْوَةِ، أَوْ بِمَا سَلَبَهُ اسْتِقْلَالَ الْفِكْرِ وَصِحَّةَ النَّظَرِ
مِنَ التَّقْلِيدِ الْأَعْمَى الْأَصَمِّ، أَوْ مَا حَرَمَهُ حُرِّيَّةَ التَّصَرُّفِ وَهُوَ ضَعْفُ الْإِرَادَةِ عَنْ مُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ، فَهُوَ إِذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ يَجِدُ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا أَوْ ذَا حَرَجٍ شَدِيدٍ، وَهُوَ تَأْكِيدُ الضِّيقِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ أَضْيَقُ الضِّيقِ. وَجَعَلَهُ الرَّاغِبُ وَغَيْرُهُ مُشْتَقًّا مِنَ الْحَرَجَةِ الَّتِي هِيَ الشَّجَرُ الْكَثِيرُ الْمُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِحَيْثُ لَا يَتَّسِعُ لِلزِّيَادَةِ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ أَعْرَابِيًّا مِنْ مُدْلِجَ عَنِ الْحَرَجَةِ فَقَالَ: هِيَ الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ لَا تَصِلُ إِلَيْهَا رَاعِيَةٌ وَلَا وَحْشِيَّةٌ. فَقَالَ عُمَرُ: كَذَلِكَ قَلْبُ الْمُنَافِقِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ. ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ. وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ: الْحَرَجُ فِيمَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ الْمَوْضِعُ الْكَثِيرُ الشَّجَرِ الَّذِي لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الرَّاعِيَةُ قَالَ: وَكَذَلِكَ صَدْرُ الْكَافِرِ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْحِكْمَةُ، انْتَهَى. وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّ الْحَرَجَ بِالتَّحْرِيكِ جَمْعُ حَرَجَةٍ وَهِيَ الشَّجَرُ الْمَذْكُورُ. وَأُطْلِقَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْمَكَانِ ذِي الشَّجَرِ الْكَثِيرِ الْمُلْتَفِّ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِدُ صَدْرَهُ شَدِيدَ الضِّيقِ لَا يَتَّسِعُ لِقَبُولِ شَيْءٍ جَدِيدٍ مُنَافٍ لِمَا اسْتَحْوَذَ عَلَى قَلْبِهِ وَفِكْرِهِ مِنَ التَّقَالِيدِ، أَوْ لِمَا يُزَلْزِلُ كِبْرِيَاءَهُ وَيُصَادِمُ حَسَدَهُ مِنَ الْخُضُوعِ وَالِاتِّبَاعِ لِمَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَوْلَى مِنْهُ بِالرِّيَاسَةِ وَالْإِمَامَةِ، فَيَكُونُ اسْتِثْقَالُهُ لِإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَشُعُورُهُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا كَشُعُورِهِ بِالْعَجْزِ عَنِ الصُّعُودِ بِجِسْمِهِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ لِأَجْلِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا أَوِ التَّصَاعُدِ فِيهَا بِالتَّدْرِيجِ، أَوِ التَّصَعُّدِ أَيِ التَّكَلُّفُ لَهُ، وَصُعُودُ السَّمَاءِ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِيمَا لَا يُسْتَطَاعُ، أَوْ مَا يُشَقُّ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى كَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ تَفْسِيرُ الضِّيقِ الْحَرَجِ بِالشَّاكِّ، وَعَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ بِمَا لَيْسَ فِيهِ لِلْخَيْرِ مَنْفَذٌ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَا يَجِدُ فِيهِ مَسْلَكًا وَلَا مَصْعَدًا.
(كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) أَيْ مَثَّلَ جَعْلَ الصَّدْرِ ضَيِّقًا حَرَجًا بِالْإِسْلَامِ، وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ فِي سُنَّةِ اللهِ فِيهِ وَتَقْدِيرِهِ لَهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَسْبَابِهِ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنِ الْإِيمَانِ، فَيَظْهَرُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ وَلَا سِيَّمَا مَعَ أَهْلِ الدَّعْوَةِ، فَيَكُونُ مُعْظَمُهَا قَبِيحًا سَيِّئًا فِي ذَاتِهِ أَوْ فِيمَا بَعَثَ عَلَيْهِ مِنْ قَصْدٍ وَنِيَّةٍ فَإِنَّ الرِّجْسَ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى كُلِّ مَا يَسُوءُ أَوْ يُسْتَقْذَرُ حِسًّا أَوْ عَقَلًا أَوْ عُرْفًا. وَقَدْ أَطَلْنَا فِي شَرْحِ مَعْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْخَمْرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.