تمزرنها والدين يَدعو صَبَاحَهُ ... إذا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا١
ليس يَصلحُ شيءٌ من ذلك إلاَّ على ما تراهُ، لو قلتَ:"رأيتُه ويكتبُ" و "دخلت عليه ويملي الحديث"، و "تمززتها ويدْعو الديكُ صباحَه"، لم يكن شيئاً.
١٣٣ - ومما هو بهذهِ المنزلةِ في أنك تَجِدُ المعنى لا يستقيمُ إلاَّ على ما جاءَ عليه من بناءِ الفعلِ على الاسم قولُه تعالى:{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}[الأعراف: ١٩٦]، وقولُه تعالى:{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}[الفرقان: ٥]، وقولُه تعالى:{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}[النمل: ١٧]، فإِنَّه لا يَخْفى على مَنْ له ذوقٌ أَنه لاو جيءَ في ذلك بالفِعْل غيْرَ مَبْنيِّ على الاسم فقيلَ:{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}، و {اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ}، و {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}، لوَجِدَ اللفظُ قد نَبَا عنِ المعنى، والمعنى قد زالَ عن صورتِه والحالِ التي يَنْبغي أن يكون عليها.
١ النابغة الجعدي في ديوانه، والضمير في "تمززتها" في البيت قبله: وهو: وصهباء لا تخفي القذى وهي دونه ... تصفق في راووقها ثم تقطب و"صفق الخمر" حولها من إناء إلى إناء لتصفو. و "الراووق"، الذي يصفي به الشرابو "تقطب" تمزج بالماء. و "تمززتها"، تمصصتها شيئًا بعد شيء. و "بنو نعش" يريد "بنات نعش" كواكب في منازل القمر الثمانية والعشرين. و "تصوبوا"، مالوا إلى الغروب عند الأفق.