للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لكن الخليل إبراهيم (عندما يختار أسلوب التورية والتعريض كما حكى الله تعالى عنه بقوله: (قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون ((الأنبياء ٦٣) . وبقوله تعالى: (فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم ((الصافات ٨٨، ٨٩) فليس ذلك خوفا على نفسه وإنما هو ضمان لاستمرارية الدعوة وقطع شبههم وإقامة الدليل عليهم بإلزامهم الحجة تبكيتا لهم، وتنبيها على فساد اعتقادهم بإثارتهم وإيقاظهم من غفلتهم، ليحملهم على التأمل في شأن آلهتهم، رجاء الهداية والوصول إلى الحق، إذ أن شأن الآلهة عند القوم أعلى من حال أنفسهم، فكيف تغفل النجوم عن إخبارهم عما سيحصل للآلهة من الفتك، فأوهمهم (أنه تفكر في أحوالها من حيث الاتصال والتقابل الذي يدل- بزعمهم- على الحوادث وما يترتب عليها، فأثبت لهم (بطلان تأثير النجوم في هذا الكون كلياً، بالتالي ثبت عجز الآلهة رأسا (١) .

فأخرج قوله: (إني سقيم (مخرج التعريض بما يوقعهم في الحيرة والاعتراف ببطلان ألوهية الجمادا وأن نظرتهم في أمر النجوم فاسدة، وأن من لا يملك التحكم في نفسه فهو أعجز من أن يتحكم في غيره، ليبطل بذلك مزاعمهم فأوهمهم من تلك الجهة لِيلقَمُوا حجرا. (٢)


(١) وانظر جامع البيان للطبري ج١٧/٤٠، أحكام القرآن للقرطبي ج١١/٢٩٩، روح المعاني للألوسي ج٦/٦٤، في ظلال القرآن لسيد قطب ج٤/٢٣٨٦. واستنبط بعض الفضلاء من جوابه (: (بل فعله كبيرهم هذا (أنه أشار إلى الصنم الأكبر، وورى بإبهامه الذي قبض به على الفأس، إذ لولاه لما استطاع القبض على الفأس، لأن اليد بدونه ضعيفة النفع.
(٢) أحكام القرآن للقرطبي ج١٥/٩٢، وتفسير ابن كثير ج٤/١٣، فتح القدير للشوكاني ج٤/٤٠١. ولقد صدق (فإن الإنسان يعتريه السقم في المستقبل، أو أنه قد فسد مزاجه وتغير حاله فإنه عرضة للسقم الآن، أو أراد أنه سقيم القلب لما رأى من كفر قومه بالله، لأن هذا مما يؤدي إلى سقم القلب والروح والفكر.

... وعن أبي هريرة (أن رسول الله (قال: (لم يكذب إبراهيم النبي (قط إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله قوله: {إني سقيم} وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} وواحدة في شأن سارة ... الحديث) . رواه البخاري ٦/٣٨٨، ومسلم ٤/١٨٤٠.
ذكر القرطبي عن ابن العربي: "قوله: ولم يعد (هذه أختي) في ذات الله وإن كان دفع بها مكروها، ولكنه لما كان لإبراهيم (فيها حظ من صيانة فراشه وحماية أهله، لم يجعلها في ذات الله؛ وذلك لأنه لا يجعل في جنب الله وذاته إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين كانت لله كما قال: (ألا لله الدين الخالص (الزمر (٣) وهذا لو صدر منا لكان لله، ولكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا، وتسمية ذلك في حديث الشفاعة في حقه (ذنبا لأنه كان منه خلاف الأولى، ولقرب محلهم واصطفائهم عُدَّ هذا ذنبا" والله أعلم. أحكام القرآن للقرطبي ج١١/٣٠١، وانظر روح المعاني للألوسي ج٨ /١٠١.

<<  <  ج: ص:  >  >>