وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. قال الرب عز وجل: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني»(١) .
وقوله «من قريب» فيه إشارة إلى أن الأجل آت، وكل آت قريب، وتنبيه على أن مدة عمر الإنسان وإن طالت فهي قليلة (٢) .
وقد أحسن محمود الوراق في قوله:
قدم لنفسك توبة مرجوة ... قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها غلق النفوس فإنها ... ذخر وغنم للمنيب المحسن (٣)
ويدخل تحت الآية أيضاً قول من قال:(ثم يتوبون من قريب (، أي: عن قرب عهد بالمعصية من غير إصرار عليها (٤) ، لأن من استمر على المعصية وأصر عليها قد تعسر عليه التوبة، وقد لا يوفق لأسبابها، وقد تحول ذنوبه ومعاصيه بينه وبين التوبة، كما قال تعالى:(كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ( [المطففين: ١٤] ، وقال تعالى: (فلما زاغوا أزاع الله قلوبهم ( [الصف: ٥] ، وقال تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ( [الأنعام: ١١٠] .
وإذا كانت التوبة تقبل قبل حضور الموت ولو بزمن قليل فقبولها قبل ذلك من باب أولى (٥) .
قوله تعالى: (فأولئك يتوب الله عليهم (الفاء عاطفة.
أولئك: إشارة للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب.
(١) أخرجه أحمد ٣/٢٩، وأبو يعلى ٢/٤٥٨، والحاكم في «المستدرك» ٤/٢٩٠ حديث ٧٦٧٢، وصححه ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة رقم ١٠٤. (٢) انظر: «التفسير الكبير» ١٠/٥. (٣) انظر «ديوانه» ص١٥٢، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/٩٢. (٤) وتكون «من» في قوله «من قريب» ، لابتداء الغاية، أي تكون التوبة من زمان قريب من المعصية. انظر: «التفسير الكبير» ١٠/٥، «البحر المحيط» ٣/١٩٨. (٥) انظر: «البحر المحيط» ٣/١٩٨، «تفسير المنار» ٤/٤٤٠ ٤٤١.