وقد قال النبي (: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز)(١) ، وروى عنه (أنه لما قيل له: أرأيت دواءً نتداوى به ورقى نسترقيها هل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: (هي من قدر الله)(٢) ، يعني إن الله (قدر الخير والشر، وأسباب كل منهما (٣) . والأسباب وإن عظمت إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئاً، بل لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة، وعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتب في اللوح المحفوظ، صغيرها وكبيرها، ((وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنه أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير)) (٤) .ولهذا جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)(٥) . يقول ابن رحب: ((واعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبي (لابن عباس على هذا الأصل، وما بعده وما قبله متفرع عليه وراجع إليه، فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، من خير أو شر، أو نفع أو ضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم جميعاً على خلاف المقدور غير مفيد شيئاً البتة، علم حينئذ أن الله تعالى وحده هو الضار النافع، والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه (، وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرع والابتهال،
(١) سيأتي تخريجه بعد قليل. (٢) رواه ابن ماجة، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، والترمذي، كتاب الطب، باب ما جاء في الأدوية، ح ٢٠٦٥، وقال هذا حديث حسن صحيح. (٣) انظر أعلام السنة المنشورة ص ١٣٤-١٣٥. (٤) انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص ١٢١، ٧٨١. (٥) رواه الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره، ح ٢١٤٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٤٤٦، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ح ٢٤٣٩.