وكان أصل انتقال الملك إليهم أن دولة الموحدين بمرّاكش كان قد انحلّ عقد نظامها، وانثلّ عقد أيامها لانهماك آخرهم على اللذات وتشاغلهم بها عن الأخذ بالحزم في الأمور، وكانت قبائل بني مرين رحالة نزالة أهل بادية (٥٦٤) ذوي بأس ومنعة، فثار فيهم أبو يحيى أبو بكر بن عبد الحقّ (٢)، وجمع الجموع وتغلب على فاس فملكها وملك غيرها من البلاد، ثم مات أبو يحيى بن عبد الحقّ، فقام أخوه أبو يوسف يعقوب (٣) بن عبد الحقّ فقصد مرّاكش فخرج إليه أبو دبوس أبو العلاء إدريس (٤) فقتل أبو دبوس وهو آخر من كان قد انتهى إليه الملك من بني عبد المؤمن بن عليّ (٥) ومن يومئذ ظهرت دولة بني مرين واستقلّ سلطانهم بالمغرب الأقصى.
(١) المخصوص بالسياق هنا هو أبو يوسف يعقوب، وقد ولى زعامة بني مرين بعد وفاة أخيه أبي يحيى أبي بكر في سنة ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م، ومات في سنة ٦٨٥ هـ/ ١٢٨٦ م، بعد أن دان لهم ملك المغرب الأقصى، وقد تقدم القول في هذه المسألة ص ١٦٥ حاشية (١)، وراجع أيضا ص ١٧١ - ١٧٢، وانظر ما يلي من السياق. (٢) في القلقشندي (صبح ٥/ ١٩٠): أبو يحيى زكريا بن عبد الحق، وقد تقدمت الإشارة إلى وفاته بفاس في رجب سنة ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م، ص ١٧١ حاشية (٣). (٣) في القلقشندي (صبح ٥/ ١٩١): "وتصدى للقيام بأمره ابنه عمر، ومال أهل الحل والعقد إلى عمه أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، وكان غائبا بمدينة تازا فقدم ثم وقع الصلح بينهما على أن ترك يعقوب الأمر لابن أخيه عمر على أن يكون له تازا وبلادها، ثم وقع الخلف بينهما والتقيا فهزم عمر ثم نزل لعمه يعقوب عن الأمر، ورحل السلطان أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق فدخل فاسا ممكنا ثم هلك عمر بعد سنة فكفي يعقوب شأنه واستقام سلطانه". (٤) هو إدريس بن محمد بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن استقل بأمر الموحدين وتلقب بالواثق بالله والمعتمد على الله إلى أن قتل بظاهر مراكش على يد أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق سنة ٦٦٨ هـ/ ١٢٧٠ م، انظر: الحميري: ص ٥٤١، وهو يؤرخ مقتل أبي دبوس سنة ٦٦٦ هـ، ابن خلدون: ٦/ ٢٦٤، القلقشندي: صبح ٥/ ١٨٨ - ١٨٩ (٥) في القلقشندي: (صبح ٥/ ١٨٩): "وفر مشيخة الموحدين إلى معاقلهم بعد أن كانوا بايعوا عبد الواحد بن أبي دبوس".