فالتوبة هنا لمسة التخفيف الندية تمسح على التعب والمشقة بالحنان والرأفة، وهي دعوة التيسير الإلهي على النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- وعلى المؤمنين معه وقد علم الله منهم خلوصهم لطاعته, فهي توبة لا عن ذنب بل عن طاعة، صبروا عليها حتى انتفخت أقدامهم من القيام الطويل بالليل, فعطف ربهم عليهم وخفف عنهم وهو وحده الذي يقدر الليل والنهار, فيطيل ويقصر في أحدهما, والمؤمنون مع هذا ماضون على ما هم عليه من قيام الليل: نصفه أو ثلثه, وربهم لا يريد بهم العنت ولا المشقة٢, فتاب عليهم بعد أن تزودوا بالطاعة, وتدربوا على المشقة في عبادته, مع الحب فيها والرغبة إلى التقرب من جلاله، فكانت التوبة هنا في هذا الفجر الصادق من العام الأول لحياة الدعوة إيحاء بأن التوبة طاعة ورحمة وحنان وأنس من الله لبعض أوليائه المخلصين في طاعته، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
١ من الآية رقم ٢٠ من سورة المزمل. ٢ راجع في ظلال القرآن ج٢٩ ص١٧٧، ١٦٨.