الثاني: لَا خِلَافَ أنه صلّى الله عليه وسلّم قُبِضَ عن الدُّنْيَا بِظَاهِرِ بَشَريَّته، وأَنَّهُ خُيّرَ صلّى الله عليه وسلّم بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ ما عِندَ الله تعالى، فاخْتَار ما عند الله عزّ وجلَّ (١)، وصَارَ إلى الرَّفِيقِ الأَعْلَى وَجَنَّتِه، وذلك يُسَمَّى مَوْتاً وانْتِقالاً إلى الآخِرَةِ، مع ثُبُوتِ وَصْفِ الحَيَاةِ الحقيقية (٢)، والأَوْصَافِ الكَرِيِمَةِ السَّنِيَّةِ، من العِلْمِ، والإِدْرَاكِ، والاطِلاعِ، والتَّصَرُّفِ في العَوَالِمِ، والنِّعَمِ (٣) بِعَوَالِمِ القُدْسِ، والوصُولِ إلى الجنات، والإِشْرَافِ على أُمُورِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ (٤)، وذلك لا يُنَاقِضُ ما ذُكِرَ.
الثالث: قَوْلُنَا: زيد حَيٌّ مَيِّتٌ، من غير تَعْيينِ جِهَتَي القَضِيَّةِ، لا يَلْزَمُ منه تَنَاقُضُهُما؛ لأنه لا يتَحَقَّقُ تَناقُضُ قَضِيَّتَيْنِ حتى تُسْتَوْفَى فيهما شُرُوطُ التَّنَاقُضِ، فلا يلزم وُرودُ السُّؤالِ حتى يُثْبِتَ السَّائِلُ تَنَاقُضَهُما بذِكْرِ تَمامِ شُروطِ النَّقِيض، وهذا في حكم المُناظَرَةِ جَوابٌ فيما ذكر، وحاصل ذلك أنه لا يَرِدُ حتى تتبيَّن المناقضةُ، وعند ذلك يُسَلَّمُ أو يُمْنَعُ.
الرابع: أنَّ الموتَ المنسوبَ إلى الرُّسُلِ والنبيين، أمرٌ لا يُسَاويهم فيه غَيْرُهم، لاسِيَّما سَيِّدُهم وإِمَامُهم صلّى الله عليه وسلّم، وهو قد قال صلّى الله عليه وسلّم: «إني لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ،
(١) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ماعنده، فاختار ذلك العبد ماعند الله. أخرجه البخاري، في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، برقم:٣٦٥٤. (٢) سقطت ألف الكلمة من الأصل. (٣) جمع: نِعْمة، وهي: المَسرَّة. القاموس (نعم) ص ١١٦٢. (٤) هذه العبارات فيها غلو شديد من المؤلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل إن وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالتصرف في العوالم والإشراف على أمور الدنيا والآخرة يتناقض مع الاعتقاد الصحيح إذ هذا لايليق إلا بالله عز وجل.