سُمِّيَتْ المدينة مختارَةً؛ لأنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اخْتَارَها من جَمْيعِ الأرْضِ لِمُهَاجَرِ خَير الخَلْقِ وحبيبه في خِيرَته، واخْتَارها مَضْجَعًا لِجَسَدِه الكَرِيمُ بَعْدَ وفاته - صلى الله عليه وسلم -.
المُؤْمِنَةُ: الإيمانُ لُغَةً: التَّصْدِيق، والإيمان - أيضًا - الإدخال في الأمْنِ والأمانِ، فَإِنْ كانَت بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ يحتمل فيها وجهان:
الأول: أنْ تُجْعَلَ على الحَقِيقَةِ وأنَّها هي مُصَدِّقةٌ بالله تعالى، مُؤمنَةٌ مُطِيعَةٌ كسائِر المُؤمِنين مِنْ ذوي العُقُولِ، قال تعالى:{ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}(٢) وقال عَزَّ وَجَلَّ: {يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ}(٣) وقَدْ سَبَّح الحَصَى في كفِّه - صلى الله عليه وسلم -، فلا غرْو أَنْ يَخْلُقَ الله تعالى في الجماد قوة قابِلَة للتَّصْدِيق والتكذْيبِ ونَحْوِ ذلك، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "نَهران مُؤْمِنَان، ونَهران كافِرَان، أمَّا المُؤمنانِ فالنِّيلُ والفُرَات، وأمَّا الكافِرَان فَدِجْلَةُ ونَهْرُ بلخ"(٤).
وإلى هذا ذهب كَثْيرٌ مِنَ العارِفين وَأَهْلِ التَّحْقِيقِ.
والثاني: أن يُحْمَلَ على المَجَازِ، وأنَّ المُرَاد بِها اتِّصَافُ أَهْلها بِصِفَةِ الإيمان، وأنَّ الإيمان مِنْهَا ظَهر وعنها انْتَشَر، وإِنْ كان بِمَعْنَى التَّصْدِيق فَيحتمل وجْهَيْن أَيْضًا.
ويقال: إنَّها سَمَّاها الله بِهذا الاسْم في الكتب السَّالِفَة.
(١) المصدر السابق ٥/ ٧٠ - ٧١. (٢) سورة (فصلت) آية ١١. (٣) سورة (سبأ) آية ١٠. (٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أوله الخطيب في تاريخ بغداد من عدة روايات بألفاظ مختلفة. ١/ ٥٤ - ٥٨.