تسحر بالتفتير ألحاظه … كأنّ من بابل شيطانها
وكم شجت قلبي بها غادة … قد كحلت بالغنج أجفانها
إذا دعت صبا إلى حبها … لا يستطيع الصب عصيانها
وكم ليال لي بها قد مضت … تسحب بالإعجاب أردانها
وألهف نفسي كيف شطت بها … حوادث قوّضن بنيانها
فارقتها لا عن قلى صدّني … عنها فراق الروح جسمانها
واعتضت عن غزلانها والمها … نعاج جيرون وثيرانها
يا سائلي عن حالتي بعدها … ها أنا ذا أذكر عنوانها
ما حال من فارق أصحابه … وفارق الدنيا وجيرانها
تقلب فوق الجمر أحشاؤه … تؤجج الأشواق نيرانها
والعين لا تنفك من عبرة … ترسل فوق الخدّ طوفانها
يا سائق النوق يبث الثرى … كمثل بث السحب تهتانها (١)
حيّ ربا مصر وجناتها … وحورها العين وولدانها
ودورها الزهر وساحاتها … وبين قصريها وميدانها
وأرضها المخصب أرجاؤها … ونيلها الزاهي وخلجانها
والروضة الفيحاء تلك التي … تجلو عن الأنفس أحزانها
ومنية الشيرج لا تنسها … وقرطها الأحوى وكتانها
والتاج الخمس وجوه التي … أضحت من الأعين إنسانها
وحيّ يا برق وجد بالحيا … جزيرة الفيل وغيطانها
وبانها الغض ونسرينها … ووردها البكر وريحانها
وظلها الضافي وأزهارها … وماءها الصافي وغدرانها
والمعهد المأنوس من ربعها … وحيّ أهليها وسكانها
لم أنس لا أنسى اصطباحي بها … ولا اغتباقاتي وإبانها
ولا أويقات التصابي ولا … تلك الخلاعات وأزمانها
أيام لا انفك من صبوة … أهوى اللذا ذات وإعلانها
أخطر تيها في رياض الصبا … مرنح الأعطاف كسلانها
وخيل لهوي في ميادينها … تجرجر الصبوة أرسانها
ودوحتي ناضرة غضة … تعطف ريح اللهو أغصانها
حاشاي أن أنقض عهدا لها … حاشاي أن أصبح خوّانها
حاشاي أن أهجرها قاليا … حاشاي أن أحدث سلوانها
(١) تهتان: انصباب المطر أو هو فوق الهطل.