بَعْدَهُمْ كَنِسْبَتِهِ إلَى أَصْحَابِهِ، وَكَنِسْبَةِ النُّجُومِ إلَى السَّمَاءِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا التَّشْبِيهَ يُعْطِي مِنْ وُجُوبِ اهْتِدَاءِ الْأُمَّةِ بِهِمْ مَا هُوَ نَظِيرُ اهْتِدَائِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَظِيرُ اهْتِدَاءِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالنُّجُومِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَعَلَ بَقَاءَهُمْ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَمَنَةً لَهُمْ، وَحِرْزًا مِنْ الشَّرِّ وَأَسْبَابِهِ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يُخْطِئُوا فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ الظَّافِرُونَ بِالْحَقِّ أَمَنَةً لِلصَّحَابَةِ وَحِرْزًا لَهُمْ، وَهَذَا مِنْ الْمُحَالِ.
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: مَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ
[أَنَّهُ] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ مَثَلَ أَصْحَابِي فِي أُمَّتِي كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إلَّا بِالْمِلْحِ» قَالَ الْحَسَنُ: قَدْ ذَهَبَ مِلْحُنَا فَكَيْفَ نَصْلُحُ؟ وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ أَيْضًا بِإِسْنَادَيْنِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَثَلُ أَصْحَابِي فِي النَّاسِ كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ» ثُمَّ يَقُولُ الْحَسَنُ: هَيْهَاتَ، ذَهَبَ مِلْحُ الْقَوْمِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى يَعْنِي إسْرَائِيلَ - عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَثَلُ أَصْحَابِي كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ» قَالَ: يَقُولُ الْحَسَنُ: هَلْ يَطِيبُ الطَّعَامُ إلَّا بِالْمِلْحِ؟ وَيَقُولُ الْحَسَنُ: فَكَيْفَ بِقَوْمٍ ذَهَبَ مِلْحُهُمْ؟ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَال أَنَّهُ شَبَّهَ أَصْحَابَهُ فِي صَلَاحِ دِينِ الْأُمَّةِ بِهِمْ بِالْمِلْحِ الَّذِي صَلَاحُ الطَّعَامِ بِهِ، فَلَوْ جَازَ أَنْ يُفْتُوا بِالْخَطَأِ وَلَا يَكُونُ فِي عَصْرِهِمْ مَنْ يُفْتِي بِالصَّوَابِ وَيَظْفَرُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِلْحًا لَهُمْ، وَهَذَا مُحَالٌ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمِلْحَ كَمَا أَنَّ بِهِ صَلَاحَ الطَّعَامِ؛ فَالصَّوَابُ بِهِ صَلَاحُ الْأَنَامِ، فَلَوْ أَخْطَئُوا فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ لَاحْتَاجَ ذَلِكَ إلَى مِلْحٍ يُصْلِحُهُ، فَإِذَا أَفْتَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِالْحَقِّ كَانَ قَدْ أَصْلَحَ خَطَأَهُمْ فَكَانَ مِلْحًا لَهُمْ.
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْت أَبَا صَالِحٍ يُحَدِّثْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» وَفِي لَفْظٍ " فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ "، وَهَذَا خِطَابٌ مِنْهُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَلِأَقْرَانِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْفَتْحِ، فَإِذَا كَانَ مُدُّ أَحَدِ أَصْحَابِهِ أَوْ نَصِيفُهُ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مِثْلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِنْ مِثْلِ خَالِدٍ، وَأَضْرَابِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَحْرِمَهُمْ اللَّهُ الصَّوَابَ فِي الْفَتَاوَى وَيَظْفَرَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ؟ هَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: مَا رَوَى الْحُمَيْدِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْلِمِ بْنِ سَاعِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.