الْحِكْمَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ تَعَالَى فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَحْرِمَهُمْ كُلَّهُمْ الصَّوَابَ فِي مَسْأَلَةٍ فَيُفْتِي فِيهَا بَعْضُهُمْ بِالْخَطَأِ، وَلَا يُفْتِي فِيهَا غَيْرُهُ بِالصَّوَابِ، وَيَظْفَرُ فِيهَا بِالْهُدَى مِنْ بَعْدِهِمْ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: ١٠١] وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ الْمُعْتَصِمِينَ بِهِ بِأَنَّهُمْ قَدْ هُدُوا إلَى الْحَقِّ؛ فَنَقُولُ: الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مُعْتَصِمُونَ بِاَللَّهِ فَهُمْ مُهْتَدُونَ، فَاتِّبَاعُهُمْ وَاجِبٌ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَتَقْرِيرُهَا مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: قَوْله تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: ٧٨] وَمَعْلُومٌ كَمَالُ تَوَلِّي اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَنَصْرُهُ إيَّاهُمْ أَتَمَّ نُصْرَةٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ اعْتَصِمُوا بِهِ أَتَمَّ اعْتِصَامٍ، فَهُمْ مَهْدِيُّونَ بِشَهَادَةِ الرَّبِّ لَهُمْ بِلَا شَكٍّ، وَاتِّبَاعُ الْمَهْدِيِّ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً بِلَا شَكٍّ، وَمَا يَرِدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُتَابَعَةَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: قَوْله تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ مُوسَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: ٢٤] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَهُمْ أَئِمَّةً يَأْتَمُّ بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ لِصَبْرِهِمْ وَيَقِينِهِمْ؛ إذْ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ فَإِنَّ الدَّاعِيَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرُهُ إلَّا بِيَقِينِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ وَبَصِيرَتِهِ بِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى تَنْفِيذِ الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ بِاحْتِمَالِ مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ وَكَفِّ النَّفْسِ عَمَّا يُوهِنُ عَزْمَهُ وَيُضْعِفُ إرَادَتَهُ، فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَانَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِأَمْرِهِ تَعَالَى وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ، وَأَوْلَى بِهَذَا الْوَصْفِ مِنْ أَصْحَابِ مُوسَى، فَهُمْ أَكْمَلُ يَقِينًا، وَأَعْظَمُ صَبْرًا مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ، فَهُمْ أَوْلَى بِمَنْصِبِ هَذِهِ الْإِمَامَةِ، وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ بِلَا شَكٍّ بِشَهَادَةِ اللَّهِ لَهُمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ، وَشَهَادَةِ الرَّسُولِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَأَنَّهُمْ خِيرَةُ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ، وَمِنْ الْمُحَالِ عَلَى مَنْ هَذَا شَأْنُهُمْ أَنْ يُخْطِئُوا كُلُّهُمْ الْحَقَّ، وَيَظْفَرَ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مُمْكِنًا لَانْقَلَبَتْ الْحَقَائِقُ، وَكَانَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَئِمَّةً لَهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الرُّجُوعُ إلَى فَتَاوِيهِمْ، وَأَقْوَالِهِمْ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ مُحَالٌ حِسًّا وَعَقْلًا فَهُوَ مُحَالٌ شَرْعًا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: ٧٤] ، وَإِمَامٌ بِمَعْنَى قُدْوَةٍ، وَهُوَ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ كَالْأُمَّةِ وَالْأُسْوَةِ، وَقَدْ قِيلَ: هُوَ جَمْعُ آمِمٍ كَصَاحِبِ وَصِحَابٍ وَرَاجِلٍ وَرِجَالٍ وَتَاجِرٍ وَتُجَّارٍ، وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ كَقِتَالٍ وَضِرَابٍ، أَيْ ذَوِي إمَامٍ، وَالصَّوَابُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِمْ، وَالتَّقْوَى وَاجِبَةٌ، وَالِائْتِمَامُ بِهِمْ وَاجِبٌ، وَمُخَالَفَتُهُمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.