عَقْدًا يَقْصِدُ أَنَّهُ فَاسِدٌ فَكَانَ صَحِيحًا، أَوْ شَرِبَ جُلَّابًا يَظُنُّهُ خَمْرًا، إِلَّا أَنَّ عَلَيْهِ فِي قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ دَرْكَ الْإِثْمِ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ مُوَافَقَةً وَلَا مُخَالَفَةً، فَهُوَ الْعَمَلُ عَلَيَّ مُجَرَّدِ الْحَظِّ أَوِ الْغَفْلَةِ، كَالْعَامِلِ وَلَا يَدْرِي مَا الَّذِي يَعْمَلُ، أَوْ يَدْرِي وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ١ مُجَرَّدَ الْعَاجِلَةِ، مُعْرِضًا عَنْ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، وَحُكْمُهُ فِي الْعِبَادَاتِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، لِعَدَمِ نِيَّةِ الِامْتِثَالِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُكَلَّفُ النَّاسِي وَلَا الْغَافِلُ وَلَا غَيْرُ الْعَاقِلِ، وَفِي الْعَادَاتِ الصِّحَّةُ إِنْ وَافَقَ قَصْدَ الشَّارِعِ، وَإِلَّا، فَعَدَمُ الصِّحَّةِ.
وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَظَرٌ إِذْ يُقَالُ: إِنَّ الْمَقْصِدَ٢ هُنَا لَمَّا انْتَفَى، فَالْمُوَافَقَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِإِمْكَانِ الِاسْتِرْسَالِ بِهَا فِي الْمُخَالَفَةِ، وَقَدْ يَظْهَرُ لِهَذَا تَأْثِيرٌ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمَحْجُورِ، كَالطِّفْلِ وَالسَّفِيهِ الَّذِي لَا قَصْدَ لَهُ إِلَى مُوَافَقَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي إِصْلَاحِ الْمَالِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ بِعَدَمِ نُفُوذِ تَصَرُّفَاتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ وَافَقَتِ الْمَصْلَحَةِ، وَقِيلَ بِنُفُوذِ مَا وَافَقَ الْمَصْلَحَةَ مِنْهَا لَا مَا خَالَفَهَا، عَلَى تَفْصِيلٍ أَصْلُهُ هَذَا النَّظَرُ، وَهُوَ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَصْدِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ غَيْرُ مُنْتَهِضٍ، فَهُوَ بِهَذَا الْقَصْدِ مُخَالِفٌ لِلشَّارِعِ، وَقَدْ يُقَالُ: الْقَصْدُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ، وَقَدْ نَشَأَ هُنَا مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ مُوَافَقَةُ قَصْدِ الشَّارِعِ، فَصَحَّ.
فَصْلٌ:
حَيْثُ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْعَادِيَّةِ وَإِنْ خَالَفَ الْقَصْدُ قَصْدَ الشَّارِعِ، فَإِنَّ مَا مَضَّى الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا إِذَا اعْتَبَرْنَا مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي نَوْعِ الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ، فَكُلُّ مَا خَالَفَ قَصْدَ الشَّارِعِ، فَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الإطلاق، لكن بالتفسير المقدم٣، والله أعلم.
١ في "د": "قصده".٢ في "ط": "القصد".٣ وهو عدم ترتب الآثار الأخروية عليه من مرجو الثواب. "د".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.