تبيحها إلا الضرورة اطرادًا مع رأيه في أن الحاجة العامة لا تبيح كل المحرمات، بل تبيح المحرم القريب، أوغير القبيح كما سبق بيانه في الأمر الأول.
فالجويني مع تقعيده لهذه القاعدة لم ينزل الحاجة العامة منزلة الضرورة الخاصة مطلقًا في إباحة كل محرم؛ لا من حيث تقعيدها، ولا من حيث الأمثلة، فلا تبيح الحاجة العامة عنده أكل الميتة، وأكل مال الغير، وما فحش من المحرمات، أو بعُد عن الحلال، مع أن الحاجة التي ينزلها منزلة الضرورة تدخل في مفهوم الضرورة عند غيره كما سبق في التعريفات السابقة، فالأصل الذي بنى عليه الجويني قاعدته هو أن:"كل باب بني على معنًى، ثم فرض انخرام ذلك المعنى بشيء يقع معتاداً؛ فذلك المعنى يقتضي أن يطَّرد حتى لا ينخرم"(١)، وجواز المحرمات التي لا تبيحها إلا الضرورة كأكل الميتة، أو أكل مال الغير، للحاجة، خرم للمعنى الذي بني عليه الباب.
الأمر الرابع: أن الزركشي ذكر في المنثور قاعدة: "الحاجة الخاصة تبيح المحظور"(٢). وذكر لها أمثلة؛ كتضبيب الإناء، والأكل من طعام الكفار، ولبس الحرير لمن به حكة (٣)؛ وتدل هذه الأمثلة على أن الحاجة الخاصة تبيح بعض المحظورات، كما سبق بيانه في الحاجة العامة، ولا يوجد فيها مثال لحاجة أباحت محرمًا من المحرمات التي لا تبيحها إلا الضرورة، فالقاعدة ليست على إطلاقها، لكن السيوطي أتى بعده وجمع بين قاعدة الجويني، والزركشي، فقال:"الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة"(٤)، وذكر نفس الأمثلة التي ذكرها الزركشي، وهذه الصيغة الجديدة للقاعدة سببت إشكالًا من