أما الشاعر الذي يعتمد على الحدس، فلا يستطيع أن يطرح بديلا سوى الشعر، وما دام هذا البديل الحدسي غير مرتبط بالتجربة العلمية، فإنه لا يصلح أن يكون كذلك، فمجرد الدعوة إلى الهدم المنطلق - دون تحديد وتعديل - أو الرفض المطلق - دون مبنى فكري متكامل - بعد حركة نهلستية تنشب المجتمع في الفوضى.
بعد هذه المقدمات يمكن أن نسأل: كيف موقف الشعر العربي المعاصر من التراث؟ على أرض الواقع -؟ تقتضي الإجابة على هذا السؤال أن نميز بين نوعين من المواقف: الموقف الفكري والموقف الشعري (أي المعبر عنه شعرا) وبين نوعين من التراث، التراث الشعري بخاصة والتراث الحضاري بعامة.
أما في الموقف الفكري فقد شارك بعض الشعراء سائر المفكرين الذين تناولوا هذه القضية في تحديد موقفهم منها (١) ، فذهب صلاح عبد الصبور إلى أن من العسير على الشاعر أن يتجرد كليا من التراث، وهو يرى أن الشاعر العظيم هو الذي يستطيع أن يتجاوز التراث مضيفا إليه شيئا جديدا. وتحدث أدونيس في مواضع كثيرة من كتابه " زمن
(١) لم أتعرض هنا للمفكرين الذين تحدثوا عن قضية التراث مثل زكي نجيب محمود وغالي شكري والنهيري ومحمد عوده وصادق جلال العظم (في الجانب الديني منه) ولا عن مفهوم التراث عند كل منهم وعند المناوئين لهم، فذلك يقع خارج حدود البحث في الشعر نفسه، وإن كان من الضروري أن يدرس الشعر متصلا بالتيارات الفكرية التي غذته أو قاومته، كذلك لا بد أن يتنبه الدارس إلى الحركة الوسطية التي ظهرت متصلة بالتراث واعني بها حركة الأصالة والتجدد أو الأصالة والتفتح (يعني المحافظة على الأصول مع التفتح على الحضارة الحديثة) فإن استكمال التصور لأبعاد هذه القضية لا يمكن أن يتسم دون ذلك.