من الممكن أن نستشف بعض المفهومات النقدية التي كانت لدى أبي العلاء من " رسالة الغفران " حيث عرف الشعر بأنه " كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط، عن زاد أو نقص أبانه الحس "(١) ؛ فاهتمامه بالوزن وتقديمه على كل عنصر آخر مشابه لما وجدناه عند الفارابي؛ ويفهم اعتماده على الغزيرة من قوله في بيت لأبي الطيب " إن فيه زحافاً تنكره الغزيرة "؛ فالغزيرة عنده هي قوة الإحساس التي تميز الزيادة والنقصان، وتتبين قيمة الغزيرة مع توفر الوزن في تمييز أبي العلاء في الشعر بين ما هو " نظم " وحسب لأنه موزون وبين ما هو شعر حقيق بهذا الاسم لتقبل الغريزة له (٢) . ومن الغريب أن لا يذكر صاحب اللزوم في التقفية أمر القافية في هذا التعريف، مع انه مشغول الخاطر بها وبأنواعها وعيوبها حتى ألف فيها كتاباً مستقلاً (٣) . كذلك فإن قوله " على شرائط " هو كما قال الأستاذ محمد سليم الجندي: " إحالة على مجهول لا تمكن الإحاطة به إلا بعد بيانه "(٤) .
قرآن إبليس
وقد نفى أبو العلاء معرفة الملائكة للشعر وجعله " قرآن إبليس "(٥) ، مشيراً إلى تلك الفكرة العربية القديمة في أن لكل شاعر شيطاناً ينفث على لسانه؛ وقسم البديه في ثلاثة أقسام هي: القبل والتمليط والاعنات (٦) .
(١) رسالة الغفران: ٢٤٢. (٢) نضرة الاغريض، الورقة: ٣ نقلا عن التبريزي " كنت أسال المعري عن شعر أقرؤه عليه فيقول هذا نظم، فإذا مر به بيت جيد قال: يا أبا زكريا هذا هو الشعر ". (٣) تعريف القدماء: ٥٤٠. (٤) الجامع في أخبار أبي العلاء ٢: ٩١٠. (٥) رسالة الغفران: ٢٤٤. (٦) رسالة الغفران: ٥٣٩ - ٥٤٠.