إذا أردت شريف الناس كلهم ... فأنظر إلى ملك في زي مسكين فإننا نفهم أن شريف الناس؟ أي المثل الأعلى - هو الملك الفيلسوف، أي هو؟ دون مواربة - سقراط لو قيض له يضطلع له أن يضطلع بالمسؤلية السياسية (١) ، وإن ظن بعضهم " أن الملك في زي مسكين " إنما يتمثل في إبراهيم بن أدهم، ذلك الرمز المبكر للغني الذي رفض الدنيا.
وقد لحظ الأقدمون أيضا مدى تأثر بعض الشعراء بالتراث المنسوب إلى يونان؛ فقول صالح بن عبد القدوس:
وينادونه وقد صم عنهم ... ثم قالوا وللنساء نحيب
ما الذق عاق أن ترد جوابا ... أيها المقول الألد الخطيب
إن تكن لا تطيق رجع جواب ... فبما قد ترى وأنت خطيب
ذو عظات وما وعظت بشيء ... مثل وعظ السكوت إذ لا تجيب قد قرنه ابن طباطبا بقول أحد الحكماء ممن ورثوا الإسكندر:" طالما كان هذا الشخص واعظا بليغا، وما وعظ بكلامه موعظة قط أبلغ من وعظه بسكوته "(٢) .
ولهم من أبي العتاهية موقف مشابه، نبه إليه كل من المبرد وابن طباطبا وأبي الفرج الأصفهاني والثعالبي والحصري والطرطوشي والراغب الأصفهاني (٣) ؛ فحين وقف أبو العتاهية على صديقه علي بن ثابت وهو يجود بنفسه، بكى طويلا ثم قال:
(١) لا ريب في رسوخ صورة سقراط الزهدية في النفوس، انظر مثلا صوان الحكمة: ١٢٥ حيث جاء " وكان زاهدا وربما ما شبع من الخبز قط " وكذلك حديث الرازي عن السيرة الفلسفية (رسائل الرازي: ٩٩) وأكثر الحكايات عنه تشير إلى هذه النزعة. (٢) ابن طباطبا: عيار الشعر: ٨٠ (٣) انظر الكامل: ٢٣٠ (ط. رايت، وأشار إلى ذلك غوتاس، ص: ٤٦٤) ونسب القول الثاني إلى الموبذ في قباذ الملك، وعيار الشعر: ٨٠ والأغاني ٤: ٤٦ (دار الثقافة) وغرر السير: ٤٥٤ وزهر الآداب: ٦٧٣ - ٦٧٤ وسراج الملوك: ١٣ ومحاضرات الراغب ٢: ٢٨٦، وراجع كذلك مخطوطة كوبريللي، الورقة: ٢٥.