وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال، ولا يقرون على ذلك، وكان ابن عباس يحتج في متعة الحج بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره لأصحابه بها، فيقولون له: إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا، فلما أكثروا عليه قال:"يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر".
فرحم الله ابن عباس، كيف لو رأى قوما يعارضون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر المريسي وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم؟ " (١).
ثالثًا: إن تقديم العقل على النقل هو نسفٌ للعقل والنقل معا، فلا حجة بشيء بعد ذلك.
قال ابن القيم: "وحينئذ فهذا وجه تاسع مستقل بكسر هذا الطاغوت، وهو أن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع; لأن العقل قد شهد الشرع والوحي بأنه أعلم منه، وأنه لا نسبة له إليه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة بالإضافة إلى جبل، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحا في شهادته، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، فتقديم العقل على الوحي يتضمن القدح فيه وفي الشرع، وهذا ظاهر لا خفاء به" (٢).
رابعا: تقديم العقل على النقل أمر لا ينضبط ولا نهاية له، لأن لكل فرد وجماعة وملة عقلها الذي تعظمه، وهم مختلفون وفي أمر مريج.