والآخر ظنيًّا، فالقطعي هو المقدَّم، فإن قُدِّر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي، فعلم بهذا أن تقديم العقلي مطلقاً خطأ فادح، وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليًّا خطأ، وأن جعل سبب التأخير والإطراح كون النقلي نقليًّا خطأ. وهذا الوجه يقضي على مقدمتهم الثانية والثالثة.
الوجه الثاني: قولهم: «العقل أصل النقل» ممنوع؛ فإنما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفاً على علمنا به، فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر، فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه، كما أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حق، وإن كذبه من كذبه، ووجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق، وإن جهله من جهله أو جحده من جحده، وعلى هذا فليس القدح في العقل قدحاً في الحقائق الثابتة بالسمع. وهذا واضحٌ إن شاء الله.
الوجه الثالث: أن العقل الصريح السليم لا يعارض النقل الصحيح، إذا كان الدليل السمعي ثابتًا في نفسه، ظاهر الدلالة بنفسه على المراد، لم يكن ما عارضه من العقليات إلا خيالات فاسدة، وأوهاماً كاسدة، ومقدمات كاذبة، إذا تأملها العاقل حق التأمل وجدها مخالفةً لصريح المعقول، وهذا ثابتٌ في كل دليلٍ عقلي خالف دليلاً سمعيًّا صحيح الدلالة، وعليه إذا عارض هذا المسمى دليلاً عقليًّا السمع وجب إطراحه لفساده وبطلانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:«من أسباب ضلال كثير من الناس أنهم ظنوا أن ما يقوله هؤلاء المبتدعون هو الشرع المأخوذ عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وليس الأمر كذلك بل كل ما عُلم بالعقل الصريح فلا يوجد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا ما يوافقه ويصدقه» إه.
وقال ابن القيِّم رحمه الله: «إن ما عُلم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، ولا يأتي بخلافه، ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء