للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أول من اشتهر عنه بحث موضوع التحسين والتقبيح هو الجهم بن صفوان الذي وضع قاعدته المشهورة: "إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع" (١)، وبني على ذلك أن العقل يوجب ما في الأشياء من صلاح وفساد، وحسن وقبح، وهو يفعل هذا قبل نزول الوحي، وبعد ذلك يأتي الوحي مصدقا لما قال به العقل من حسن بعض الأشياء وقبح بعضها، وقد أخذ المعتزلة بهذا القول ووافقهم عليه الكرامية (٢).

ومن ثم وقع الخلاف حوله على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان في الأشياء، والحاكم بالحسن والقبح هو العقل، والفعل حسن أو قبيح إما لذاته، وإما لصفة من صفاته لازمة له وإما لوجوه واعتبارات أخرى، والشرع كاشف ومبين لتلك الصفات فقط.

وهذا هو مذهب المعتزلة والكرامية ومن قال بقولهم من الرافضة والزيدية وغيرهم (٣).

القول الثاني: أنه لا يجب على الله شيء من قبل العقل، ولا يجب على العباد شيء قبل ورود السمع، فالعقل لا يدل على حسن شيء، ولا على قبحه قبل ورود الشرع، وفي حكم التكليف، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع. قالوا: ولو عكس الشرع فحسن ما قبحه، وقبح ما حسنه لم يكن ممتنعا.


(١) ((الملل والنحل)) (١/ ٨٨) ت كيلاني.
(٢) نظر: ((نشأة الفكر الفلسفي للنشار)) (١/ ٣٤٦)، و ((التجسيم عند المسلمين - مذهب الكرامية)) سهير مختار (ص: ٣٦٣).
(٣) انظر ((المغني)) لعبدالجبار (جـ ٦ - القسم الأول - ص: ٢٦ - ٣٤، ٥٩ - ٦٠)، و ((المعتمد في أصول الفقه)) لأبي الحسين البصري (١/ ٣٦٣)، و ((البحر الزخار)) لابن المرتضي (١/ ٥٩)، و ((العقل عند المعتزلة)) (ص: ٩٨ - ١٠٠)، و ((المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية)) (ص: ١٣٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>