ومنها ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة.
ومنها ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك، فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات لا من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع".
الشرح
قوله: "ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها"
فهم يجعلون العقل هو الأصل في إثبات وجود الله تعالى، ويجعلون العقل هو الأصل في إثبات نُبُوَّة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فبالتالي جعلوا من العقل أصلاً يعتمدون عليه ويرجعون إليه في هذين البابين.
فبعد هذا، على زعمهم الشرع جاء وَتَفَرَّعَ عن هذا الأصل-أي عن العقل-فإنه إذا أُثبتت نُبُوَّة النبي أثبت ما جاء به النبي، فبالتالي عندهم إثبات ما جاء به النبي متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، وإثبات نُبُوَّة النبي متوقف على العقل.
فالعقل عندهم هو الأصل، وتفرع عنه إثبات نُبُوَّة النبي، ثم تفرع عنه إثبات ما جاء به النبي الذي هو الوحي.
فعلى هذا الترتيب عندهم أنه ما دام العقل هو الأصل وما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الفرع، فلو أنك قدَّمت ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنك بذلك أبطلت الأصل.
«وإبطال الأصل بالفرع فيه إبطالٌ للأصل والفرع»(١)، هكذا يرتِّبون هذا الترتيب المنطقي الفلسفي، فعلى هذا الترتيب قالوا يستحيل أن يُقَدَّم النقل على العقل.
(١) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (٢٢٠).